:الاول المراد لاتحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد، والثاني: قال ابن عباس: أن المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون الهدايا ويعظمون المشاعر وينحرون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فأنزل الله تعالى (لا تحلوا شعائر الله) الثالث: قال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج ولا يطوفون بهما .. فنزلت الآية. حتى لا تستحلوا ترك شيء من مناسك الحج وأتوا بجميعها على سبيل الكمال والتمام) (43) .
وعلى هذا القول يكون التحريم في النهي الوارد في السورة خاصًا في أمر معين أما أن يكون في إحرام الحاج أو في النسك نفسه. الذي يبدو لي أن اللفظ عام كقوله تعالى (أوفوا بالعقود) فأولًا: أمرنا بالوفاء بجميع العقود والعهود وثانيًا: نهانا عن التفريط والتهاون بالشعائر وهي كناية عن معالم الدين الإسلامي الحنيف بالفعل والاعتقاد.
ومن الأمثلة أيضًا قوله تعالى (فلا تخشوهم واحشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) (44) ففي الآية دلالة واضحة على النهي للوجوب والإلزام، وبذلك نهى الله المؤمنين عن خشية جميع أنواع الكفار والخوف منهم ظاهرًا وباطنًا وأمر بخشيته تعالى. وهنا نريد أن نسأل سؤالًا يتضمن النهي الوارد في السورة , لماذا حذفت الياء من لفظة (واحشون) وأثبتها في آية سورة البقرة بقوله (إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم ... واخشوني) (45) ذلك أن السياق كما يستدعي تحذير المسلمين من خشية الناس كافة وعدم الالتفات إلى أراجيفهم في آية البقرة يستدعي توجيههم إلى مراقبة الله تعالى وخشية أكثر بكثير مما هو عليه في آية المائدة وذلك أن السياق في آية البقرة في تبديل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام في مكة وقد أرجف اليهود والمنافقون بسبب هذا التغيير وأكثروا القول فيه فأستدعى توجيه المسلمين إلى عدم الالتفات إلى أقوال الكفار والمنافقين أو خشيتهم وإنما عليهم أن يخشوا الله وحده فأبرز الضمير العائد على لفظ الجلالة (ألله) فقال (فلا تخشوهم واخشوني) في حين كان السياق في أية المائدة يختلف فهو يدور على ذكر المحرمات من الأطعمة وما شابهها فحذفت الياء بقوله (فلا تخشوهم واحشون) فالكفار يائسون من محاربة الإسلام بعد أن أظهره الله وأعلى كلمته (46) .
فالمحاربة في الموقف الأول ومظنة خشية الناس أكبر وأعظم بخلاف آية المائدة التي نزلت بعدما أظهر الله دينه فذكر الياء بعد النهي الوارد في (فلا تخشوهم واخشوني) في آية البقرة وحذفها وأجتزئ بالكسرة في آية المائدة ومن جانب آخر أن السياق في ذكر الياء في البقرة فيه خصومة ومحاجة ومحاربة فستدعى جانبًا كبيرًا من الخشية فأظهر الله نفسه طلبًا لمراقبته وخشيته وعدم الاكتراث بأقوال المرجفين بخلاف آية المائدة.
ومن صيغ النهي الوارد في السورة لفظ (لا تتخذوا) في قوله تعالى (ياأيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ... ) وقوله تعالى (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبا) (47) فصيغة النهي والوارد في التركيب (لا تتخذوا) دالة على الوجوب والإلزام والاستعلاء لأنه صادر من الله تعالى إلى عباده المؤمنين أن لا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة فدلت الآية على الوعد الشديد في النهي عن موالاتهم لأنه سيكون (منهم) . كما ذكر تعالى (ومن يتولهم منكم فأنه منهم)