والملوك والأشراف فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله عزّ وجلّ عنهم.
ولما ذكر أمرا بالرهبة أتبعه بأمر الرغبة فقال (ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا) أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة، فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وغيرهما (54) .
ويحتمل أيضًا أن يكون إقدامهم على التحريف والتبديل لمجموع الأمرين، للخوف من الحكام والرؤساء ولأخذ المال بالرشوة من الناس كافة فيكون لأجل الطمع في المال فنهاهم الله. ومنعهم من الأمرين كل حسب نظمه فكان ذلك برهانًا قاطعًا في النهي والمنع من الرهبة بالأمر والرغبة فيه، ولذلك أتبعه بالوعيد الشديد، فقال (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)
ج) المغايرة في الحكم:-
مثاله قوله تعالى (ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ... ) (55) فصيغة النهي في الآية (لا تسألوا) تدل على سؤالاتهم عن تلك الأشياء التي كان الأقوام السابقون يسألون أنبيائهم مثل قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها , وقوم موسى قالوا: أرنا الله جهرة فصار ذلك وبالًا عليهم، وبنو إسرائيل قالوا لنبي لهم أبعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم , وقوم عيسى سألوا المائدة أن تنزل عليهم من السماء ثم كفروا بها وسألوا غيرها (56) والحاصل من هذه الآية أنه يجب السؤال أولًا ولكن الحكم يتغاير من حال إلى حال (57) .
والذي يبدو لي أن السؤال على قسمين: أحدهما: السؤال عن شيء لم يجز ذكره بالقرآن لأنه إذا أعطيته السؤال أساءكم لأنه خوض في المفصول وشروع فيما لا حاجة إليه والشيء الذي لا نحتاج إليه يكون فيه خطر المفسدة، فهذا السؤال منهي عنه بقوله (لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم) .
والقسم الثاني: السؤال عن شيء نزل به القرآن الكريم لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فهمه فيكون السؤال عنه واجبًا وهذا أوضح من خلال تكملة الآية (وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم) .
أجد أن السورة في سياقاتها كلها دور حول العقود والعهود والمواثيق في شتى صورها وتنوع دلالاتها وذلك في معرفة العبادات والمعاملات الدولية فيما بين المسلمين وغير المسلمين وبيان الحدود والعقوبات وتصحيح العقيدة وتنقيتها في تناسق وانتظام، فكان الخطاب منذ الوهلة الأولى بمخاطبة الذين أمنوا أن يوفوا بالعقود على اختلاف أنواعها وأشكالها الذي يوجب الالتزام وهذا يستمر في تناسق واتساق في أسلوب الآيات كلها حتى مع حوار الله تعالى مع عيسى (- عليه السلام -) يوم القيامة الوارد في نهاية السورة الكريمة.
كانت السمة الواضحة في السورة هي الأوامر والنواهي وذلك لأن السورة احتوت في طياتها أحكامًا لم تكن في غيرها من السور فدعت الحاجة إلى أن تبنى في مجمل آياتها على صيغ الأمر والنهي.
كذلك لما كانت الآيات في مجملها عهودًا ومواثيق في النواهي والأوامر كان الخطاب دائمًا للذين آمنوا لأنه إلزام والتزام على سبيل الأحكام , لأن الإيمان عبارة عن معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله وكان من جملة أحكامه أنه يجب على الخلق جميعهم، إظهار الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه وأوامره ونواهيه فكان العقد والميثاق هما من الأمور المعتبرة في ماهية تحقيق الإيمان. فلهذا كان الخطاب للذين آمنوا .... في جميع الآيات التي ذكرناها سالفًا.
لقد حدد القرآن الكريم منهجًا متكاملًا في كل سورة من سوره لتحقيق ذلك الهدف ففي سورة المائدة وهي مدار بحثنا حدد منهجية العهود والعقود والمواثيق والالتزام بالأحكام من خلال الأوامر والنواهي حتى لا يقع العقل الإنساني وحواسه فريسة النظرة السطحية التي تبعد العلل ولا تربط الأسباب بالمسببات وبالتالي تقود الإنسان إلى الضياع والتأخر