(- عليه السلام -) قومه الى عبادة الله عزّ وجلّ بالموعظة الحسنة مذكرًا إياهم بالنعم حتى يقوموا بشكره عمليًا , وذلك بالدخول إلى بيت المقد س , حتى كرر موسى (- عليه السلام -) النداء بقوله (يا قوم) فهنا نسأل سؤالًا لماذا كرر النداء؟ لأننا نلمح في الآية من كلمات موسى (- عليه السلام -) إشفاقه من تردد القوم ونكوصهم على الأعقاب لأنه مرَّ بهم في مواطن كثيرة يقول الإمام الألوسي في تفسيره ... (كرر النداء مع الإضافة التشريفية أهتمامًا بشأن الأمر ومبالغة في حثهم على الأمتثال به) (17) . ولكن القوم لم ينفع معهم ذلك النداء المشفق ولم ينفع معهم هذا الحث على تكيفهم بأمر مقابل النعم النازلة عليهم , وأصروا على ذلك بالنفي المؤبد كما قال تعالى {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (18) فنفوا دخولهم على التأبيد في قولهم (أبدا) .
ونستنج من ذلك أن المعاندين يأخذون ولا يعطون وأنهم كلما كان الكلام عن أمر من الأمور في الأوامر والنواهي قويًا كان الردّ بالإنكار أقوى كما هو مبين من الآية الكريمة
ومن صوره أيضا قوله تعالى {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (19)
فذكر الله سبحانه لفظ (أذكروا) و (اتقوا) في هذه الآية من صور الأوامر في الترغيب والترهيب حيث ذكر رسول (- صلى الله عليه وسلم -) قومه بنعمه تعالى إليهم، وما أخذ عليهم من العهد والميثاق من مبايعته ومناصرته ومؤازرته والقيام بدينه و إبلاغه عنه وقبوله منه ... (20) وهذا الأمر يعد من أسلوب الترغيب والترهيب في تنمية الضمير المحاسب ودعوته وتربية في الوقت نفسه (21) .
ومن صوره أيضا ما ورد في خطاب المفرد المذكر قوله تعالى {فان جَاءوك فاحكمْ بَينهم أو اعرض عنهم} (22) فذكر الله سبحانه لفظتا (فاحكمْ) و (اعرضْ) في هذه الآية من صور الأوامر لخطاب المفرد المذكر ببيان لحال أثر التخيير لشخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) في إقامة الحكم بينهم أو الأعراض عنهم (23) .
ومن صوره قوله تعالى {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (24) فصيغة الاستعلاء من خلال التركيب الفعلي (فليتوكل) تدل على أن العبد الذي يعتصم بالله تعالى في أموره جميعها ما عليه إلا التوكل والشكر على الأنعام حتى يكفيه الله في إيصال كل خير ودفع كل شر جاء في تنوير الأذهان عن توضح التوكل ودلالته أنه قال (اعلم أن التوكل عبارة عن الاعتصام بالله تعالى في جميع الأمور ومحله القلب , والحركة بالظاهر لا تنافي في توكل القلب، بعد ما تحقق للعبد أن التقدير من قبل الله فأن تعسر شيء فتقديره , وأعلى مراتب التوكل أن يكون بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي مغسله تحركه القدرة الأزلية وهو الذي قوي يقينه .... ) (25) فكانت هذه الصيغة من الفعل (ليتوكل) دالة على الأمر بصيغة الوجوب واللزوم لاقتران الفعل المضارع بلام الأمر.
3/ أسم فعل الأمر الدال على اللزوم:-
ومن صور أسماء الأفعال الدالة على الأمر قوله تعالى (يا أيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) (26) تعدّ (عليكم) في هذه الآية من أسماء أفعال الأمر المنقولة بمعنى (ألزم) (27) قال الفخر الرازي في قوله (عليكم أنفسكم) (أي أحفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب قال النحويون عليك وعندك ودونك من جملة أسماء الأفعال تقول العرب: عليك