وعندك ودونك، فيعدونها إلى المفعول ويقيمونها مقام الفعل وينصبون بها، فيقال: عليك زيدًا، كأنه قال خذ زيدًا فقد علاك، أي أشرف عليك وعندك زيدًا، أي حضرك فخذه ودونك، أي قرب منك فخذه فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها) (28) .
ولما كان لزوم المرء حال نفسه وإصلاحها بعد قيامه بما فرض عليه أصلح له وبمجتمعه ,وأدخل في باب التسليم بما قضي به الله , والوقوف عند ما شرّع والاجتهاد فيما فيه صالح النفس , كان طلب هذا اللزوم بالغًا , فأعرب عنه بالعدول عن فعل الأمر (ألزموا أنفسكم) إلى اسم فعل الأمر (عليكم أنفسكم) (29) .
وقد تخرج صيغ الأمر عن معناها الأصلي وهو الإيجاب واللزوم الى معان أخر على سبيل المجاز تفهم من خلال السياق القرآني وقرائن الأحوال وهذا ما تضمنته السورة من تلك المجازات الدلالية التي تدخل ضمن الأوامر هي:-
أ) الندب و الاباحة والاستحباب:-
وهو أمر المخاطب بالفعل من غير إلزام، ورتب على امتثاله المدح والثواب وليس على تركه الذم والعقاب (30) .
ومن ذلك قوله تعالى (وكلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا) (31) فصيغة الأمر (كلوا) ظاهرها للوجوب لا أن المراد ههنا الإباحة والتحليل وذلك لأن التطوع لا يلزم بالشروع، وظاهر هذه الآية يقتضي إباحة الأكل على الإطلاق وغايته أنه خص الأكل في الحلال الطيب في بعض الصور (32) ذكر الأمام فخر الرازي في بيان قوله (حلالًا طيبًا) وجهين: الأول: يتعلق بالآكل والأخر يتعلق بالمأكول فعلى الأول يكون التقدير: كلوا حلالًا طيبًا مما رزقناكم أي مما رزقكم الله وعلى التقدير الثاني يكون: كلوا من الرزق الذي يكون حلالًا طيبًا: أما على التقدير الأول فأنه حجة المعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالًا، وذلك لأن الآية الكريمة على هذا التقدير دالة على الأذن في الآكل أي أكل كل ما رزق الله تعالى. وإنما يأذن الله في أكل الحلال، فيلزم أن يكون كل ما كان رزقًا كان حلالًا.
وأما على التقدير الثاني: فانه حجة لأصحاب القائلين على أن الرزق قد يكون حرامًا لأنه تعالى خصص إذن الأكل بالرزق الذي يكون حلالًا طيبًا ولولا أن الرزق قد لا يكون حلالًا، وإلا لم يكن لهذا التخصيص والتقيد فائدة (33) .
ب) النصح والإرشاد:-
وهو الطلب الذي لا إلزام فيه ولا وجوب وإنما حيازة الحظ للمنصوح له (34) قال تعالى (وإذا قيل لهم تعالوا الى ما أنزل الله والى الرسول قالوا حسبنا الله) (35) فصيغة الأمر الدالة على النصح والإرشاد لفظة (تعالوا) فأنها تدل على الطلب الذي يحصل به معنى النصح والإرشاد، ذكر الشيخ أحمد الصاوي في حاشية على الجلالين قوله: [تعالوا: أي فعل أمر بمعنى أقبلوا] (36) وبذلك يكون الأمر هنا على سبيل الإلتماس حتى يتحقق منه النصح والإرشاد (37) .
ج) الدعاء:-
وهو طلب صادر من الأدنى إلى الأعلى على سبيل التضرع. مثاله قوله تعالى (وإذا ما سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين) (38) .
فصيغة الأمر في قوله تعالى (فاكتبنا) تدل على الدعاء، وهي لاتحمل صيغة الإيجاب والإلزام لأنها ليست إستعلاء. يقول سيد قطب (فهذا مشهد حي يرتسم من التصوير القرآني لهذه الفئة من الناس ... أنهم إذا سمعوا ما أنزل الى الرسول من هذا القرآن اهتزت مشاعرهم، ولانت قلوبهم، وفاضت أعينهم بالدمع تعبيرا