والوعيد بهذه الجسامة لا يليق إلا بالواجب في حقيقة النهي.
ومن الأمثلة أيضًا قوله تعالى (يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا) (48) ورد في الآية الكريمة نهيان (لا تحرموا) و (لا تعتدوا) وذلك لدلالة الطلب الصادر من الله تعالى بأن لا يجوز استحلال المحرم ولا تحريم المحلل من الطيبات وغيرها فإن حصل هذا الظلم كان اعتداء.
ذكر الإمام الفخر الرازي لهذه الآية عدة وجوه كلها محتملة للنهي الوارد في الآية بقوله ... (لا تحرموا طيبات .. ولا تعتدوا) أحدها: (لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله تعالى لكم وثانيها: لا تظهروا باللسان تحريم ما أحله الله لكم، وثالثها: لا تجتنبوا عنها اجتنابا شبيه الاجتناب من المحرمات ... ورابعها: لا تحرموا على غيركم بالفتوى، وخامسها: لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين ... وسادسهًا: أن يختلط المغصوب بالمملوك خلطًا لا يمكنه التمييز وحينئذ يحرم الكل ... قوله تعالى(ولا تعتدوا) فيه وجوه: الأول: أنه تعالى جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلمًا فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها، والثاني: أنه لما أباح الطيبات حرم الإسراف فيها ... والثالث: يعني لما أحل لكم الطيبات فاكتفوا بهذه المحللات ولا تتعدوها إلى ما حرم عليكم) (49) .
وهنا يجب أن نفرق بين كلام الله عزّ وجلّ وكلام العرب لأن القرآن الكريم معجز بنظمه ومعناه وأن جاء على لسان العرب وعلى موضوعاتهم اللغوية وعلى وفق قواعد لغتهم النحوية، ولابد والحال هذه أن يكون نظم القرآن من خلال السياق في أوامره ونواهيه مفارقًا لنظم غيره من النصوص حتى على مستوى نصوص الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء السابقين.
فالسورة جاءت حاوية في طياتها نظمًا من الصيغ والتراكيب مختلفة في دلالتها ومغايرة في أسلوبها ومن جملة ما ورد فيها يمكن أن نقسمه على الوفق الآتي:-
أ) التشريف والتعظيم:-
ومن الصور التي وردت في السورة ما تدلل على معنى وأسلوب التشريف والتعظيم في النهي في قوله تعالى (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) (50) فلفظ (لا يحزنك) في الآية فيه معنى التلطيف والتشريف. لأن الله تعالى خاطب محمدًا (- صلى الله عليه وسلم -) بقوله يا أيها النبي في مواضيع كثيرة من القرآن وما خاطبه بقوله يا أيها الرسول إلا في موضوعين من القرآن أحدهما هذه الآية التي نحن بصددها والثاني: قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل أليك من ربك) (51) وهذا الخطاب لاشك أنه خطاب تشريف وتعظيم.
والمعنى من خلال السياق القرآني أنه تعالى يريد أن يخبر نبيه عليه أن لا يهتم ولا يبال بمسارعة المنافقين في الكفر وذلك بسبب احتيالهم في استخراج وجوه الكيد والمكر في حق المسلمين وفي مبالغتهم في موالاة المشركين فاني ناصرك وكافيك شرهم (52) .
ب) الترغيب والترهيب:
من أمثلة ما ورد في السورة قوله تعالى (فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا .... ) (53) فلفظا (لا تخشوا) و (ولا تشتروا) من الألفاظ والصيغ التي تدل دلالة واضحة على النهي وأن أقدام القوم على التحريف والتغيير في العبادة والاعتقاد لابد أن يكون لخوف ورهبة. أو لطمع و رغبة. ولما كان الخوف أقوى تأُثيرًا من الطمع قدم تعالى ذكره فقال (فلا تخشوا الناس) والمعنى إياكم أن تحرفوا كتابي للخوف من الناس