عن التأثير العميق بالحق الذي سمعوه ... ثم أنهم لايقفون موقف المتأثر الذي تفيض عيناه بالدمع ثم ينتهي أمره مع هذا الحق، إنما هم يتقدمون ليتخذوا من هذا الحق موقفا إيجابا صريحا، موقف القبول لهذا الحق، والإيمان به والإذعان لسلطانه ... فيعلنون لربهم إيمانهم بهذا الحق الذي عرفوه، ثم يدعونه أن يضمهم الى قائمة الشاهدين لهذا الحق) (39) .
وفيما مر من بحث نجد أن السورة جمعت جملة من الألفاظ التي تدل على أوامر مع تعدد دلالاتها من حيث اللزوم والوجوب والندب والإباحة والاستحباب مع ما تضمنته من رشد وإرشاد ووعظ وموعظة ونصح ووعد ووعيد , بهذا قد ضمت جميع الاحتمالات والاختلافات التي أختلف فيها العلماء على صعيد توجهاتهم ووجهاتهم عندما اختلفوا في صيغة الأمر (افعلْ) ودلالاتها مذهب النحاة على أنها للوجوب والإلزام حتى يدل الدليل على غير ذلك، وقال الفقهاء على أنها للوجوب غالبًا وقال المتكلمون هي على الوقف حتى تطلب قرينة على ذلك ولن يعرى أمر من قرينةٍ وقال قوم هي على الإباحة حتى يدل دليل كما قال بعضهم هي على الندب حتى يدل دليل على صرفها، وقد بينا ذلك من خلال عرض بعض الآيات القرآنية التي حملت في طياتها تلك الألفاظ باختلاف دلالاتها وتنوعها.
النهي: هو طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء وأن النهي المطلق المجرد عن القرائن يفيد الوجوب والإلزام (40) وله صيغة واحدة هي الفعل المضارع المجزوم بـ (لا) الجازمة الداخلة على الفعل المضارع نحو قولك (لا تفعلْ) وقد يستعمل النهي بغير معناه الأًصلي وهو طلب الكف أو الترك إلى معان ٍ ودلالات أخر تفهم من خلال السياق القرآني ودلالته.
وأننا نجد أن الأمر والنهي يتفقان في بعض المهام، و إنهما يختلفان في مهام أخر, فهما يتفقان فيما يأتي (41) :-
1)أن يكون كل من النهي والأمر قد بنيا على أساس الاستعلاء.
2)أنهما يتفقان بالغير، فلا يمكن أن يكون الإنسان أمرًا لنفسه أو ناهيًا لها.
3)أنهما لابد من اخذ حال فاعلهما في كونه مريدًا لها.
وأنهما يختلفان فيما يأتي:
1)أن كل واحد منهما مختص بصيغة تخالف الأخر يكون الأمر على صيغة (أفعلْ) أما النهي فيكون صيغته (لا تفعلْ) .
2)أن الأمر دال على الطلب أي طلب الفعل أما النهي فأنه دال على المنع لا تفعل.
3)أن الأمر لابد فيه من إرادة مأمورة وأن النهي لابد فيه من كراهية منهية.
فصيغة النهي (لا تفعلْ) الدالة على الوجوب والإلزام والاستعلاء وردت في السورة كثيرة جدًا ولكن بدلالات متنوعة ومن أمثلة ما ورد قوله تعالى (يا أيها الذين أمنوا لا تحلوا شعائر الله) (42) فصيغة النهي (لا تحلوا) تدل دلالة واضحة على الوجوب والإلزام من الله تعالى إلى عبادة المؤمنين في طلب الكف عن الفعل أن لا يعتدوا على حد من حدود الله تعالى في أمر من الأمور كلها وبذلك ذكر الله تعالى في النهي لفظ الشعيرة بصيغة الجمع قال الأمام الفخر الرازي (أن الشعائر جمع، والأكثرون على أنها جمع شعيرة ... [وبهذا] أختلف المفسرون في المراد بشعائر الله، وفيه قولان: الأول: قوله(لا تحلوا شعائر الله) أي لا تخلوا بشيء من شعائر الله وفرائضه التي حدها لعباده وأوجبها عليهم وعلى هذا القول فشعائر الله عام في جميع تكاليفه غير مخصوص بشيء معين ... والثاني: أن المراد منه شيء خاص من التكاليف وعلى هذا القول ذكروا وجوها