نشأة هذه الأساليب، إذ كانت كل آية فيه تمثل شكلًا عربيًا يختلف عن غيره في إعرابه ممّا أدّى إلى تعدد الوجوه الإعرابية ونشوء القواعد النحوية المختلفة (ولم يكن أثر القرآن في مبنى القاعدة يقتصر على إنشائها واستحداثها، بل تجاوز هذا إلى تثبيتها حينًا ونقضها حينًا آخر، كما وجدناه كذلك عاملًا قويًا في تفريعها وتوسعة جزئياتها) (4) .
وهذا سيتضح فيما يأتي من خلال المبحثين:
اتفق النحاة والبلاغيون والأصوليون على أن الأمر هو طلب حصول الفعل (5) واتفقوا أيضًا على أن المعنى الذي تدل عليه صيغ الأمر الحقيقي تفيد الوجوب والالتزام (6) فأهل البلاغة يرون هذا المعنى مستفاد من كون الطلب مقترنًا بالاستعلاء ولذلك عرفوه بأنه (طلب حصول الفعل على وجه الاستعلاء) (7) فالاستعلاء في نظرهم هو الذي جعل الوجوب حقيقة في معنى الأمر, وبهذا اشترطوا الاستعلاء في الأمر احترازا عن الدعاء والالتماس.
أما النحاة فإنهم يفهمون الوجوب في الأمر بمجرد دلالته على الطلب حتى أنهم جعلوا، تلك الدلالة إحدى علامتي معرفته , وخصصوا لفظ الأمر بهذا المعنى سواءً أكانت الدلالة على الوجوب مستقاة من الاستعلاء، كما هي عند البلاغيين، أم من مجرد الدلالة على الطلب كما هي عند النحاة، فإن المراد من ذلك كله، هو أن معنى الأمر للوجوب والالتزام حتى يعرف عنه بقرينة، وما يدل على هذا ما جرت به عادة العرب عندهم، مثلًا إذا أمر السيد أو المالك عبده بأمر فخالفه وصفوا ذلك العبد بالعصيان، ولولا أن الأمر للوجوب، لما أطلقوا عليه هذا الوصف من العصيان وغيره (8) .
أمّا الأصوليون فيرون أن صيغة الأمر في خطاب الله تعالى في القرآن الكريم مجردة عن القرائن تدل على حقيقة واحدة هي الوجوب، وأدلتهم في ذلك كثيرة لا مجال لذكرها (9) ، وقد جاءت صيغ الأمر عند أهل اللغة الدالة على الوجوب على أربع صيغ هي (10)
1)فعل الأمر - (افعلْ) .
2)المضارع المجزوم بلام الأمر (ِليفعلْ) .
3)أسم فعل الأمر. (عليكم) بمعنى ألزم
4)المصدر النائب عن فعل الأمر.
وأن هناك أوامر تخرج عن معناها الأصلي وهو الإيجاب والالتزام إلى معانٍ أخر على سبيل المجاز تستفاد من سياق الكلام وقرائن الأحوال (11) وفيما نجد ذلك واضحًا جليًا في الآيات القرآنية وبخاصة في سورة المائدة التي هي مجال بحثنا ومن تلك الدلالات المجازية الدعاء والندبة والإباحة والاستحباب والنصح والإرشاد وغيرها كما سيأتي بيانها.
واليك توضيح صيغ الأمر الدالة على الوجوب:
ومن أمثلة ذلك ما جاء في الآية الأولى من سورة المائدة قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (12) فصيغة افعلْ الدالة على الأمر في الآية هي (أوفوا) يقال أوفى ووفى بمعنى واحد (13) لما كان الإيمان عبارة عن معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأحكامه وكان من جملة أحكامه أنه يجب على جميع الخلق إظهار الانقياد لله تعالى في تكاليفه وأوامره ونواهيه جميعها. فكان هذا العقد أحد الأمور المعتبرة في تحقيق ماهية الإيمان (14) ولهذا قال تعالى {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (سواء ما يختص منها بكل أمر و كل نهي في شريعة الله) (15) وحاصل الكلام في هذه الآية أنه أمر بإداء التكاليف فعلًا وتركًا.
و من صوره أيضا قوله تعالى {واذ قال موسى لقومه ياقوم أذكروا نعمة الله عليكم .... الآية} الى قوله {يا قوم أدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} (16) فلفظتا (أذكروا) ... و (أدخلوا) من الألفاظ التي تدل على الأمر في هاتين الآيتين وذلك عندما دعا نبي الله موسى