الصفحة 5 من 14

الأسلوب القرآني وأثره في فهم الألفاظ:-

لا تخفى على علماء العربية الأهمية البارزة لدراسة الأسلوب، ولاسيّما دراسة أسلوب القرآن الكريم , فهو المعجز الذي يمثل إطارًا جديدًا من التعبير النثري , يتحدى القدرة الإبداعية العظمى لدى البشر فالعبارة القرآنية مضمون فكري وعاطفي مؤثر, يحمل في طياته أسمى المشاعر الإنسانية والعواطف بمجموع هذه الأفكار والصور اللفظية التي تمتزج فيها المشاعر والعواطف وتنصهر في بودقة واحدة.

إن ميدان الأسلوب فسيح يدور حول الإقناع من خلال اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني بقصد الإيضاح والتأثير, وقد عرف الأسلوب عمومًا بأنه (الطريقة التي انتهجها المؤلف من اختيار المفردات والتراكيب لكلامه وهذا هو السر في أن الأساليب مختلفة باختلاف المتكلمين من ناثرين وناظمين مع أن المفردات التي يستخدمها الجميع واحدة والتراكيب في جملتها واحدة وقواعد صوغ المفردات وتكوين الجملة واحدة وهذا هو السر أيضًا في أن القرآن الكريم لم يخرج عن معهود العرب في لغتهم العربية من حيث ذوات المفردات والجمل وقوانينها العامة بل جاء كتابًا جاريًا على مألوف العرب .. فمن حروفهم تألفت كلماتهم ومن كلماتهم تألفت تراكيبه. وعلى قواعدهم العامة في صياغة هذه المفردات وتكوين التراكيب جاء تأليفه. ولكن المعجز والمدهش والمثير لا عجب العجب انه مع دخوله على العرب من هذا الباب الذي عهدوه ومع مجيئه بهذه المفردات والتراكيب التي توافروا على معرفتها وتنافسوا في حليتها .... تقول إن القرآن مع ذلك كله وبرغم ذلك كله قد أعجزهم باسلوبه الفذ ومذهبه الكلامي المعجز ... ) (1) .

يعد الأسلوب القرآني نمطًا من الأنماط المهمة التي درسها علماء اللغة والبلاغة والأدب وغيرهم إذ بينوا جوانبه الرئيسة التي يرتكز فيها في تشكيل النص اللغوي بشكل عام والنص القرآني بشكل خاص لأنه يؤدي أثرًا مهمًا في فهم الألفاظ بتناسق الألفاظ وانسجامها في النص القرآني ويتم ذلك من خلال ألوانه وتشكيلاته المتنوعة من أجل إظهار المعنى الدلالي وزيادة تأثيره في أذن المتلقي والاستعذاب له.

فارتقى بأسلوبه ليأخذ بمكامن النفوس معتليًا أساليب شتى من خلال مخاطبته لفرد أو لجماعة فالمؤمن يتباين أسلوب خطاب الله تعالى له عن الكافر , واليهودي يختلف خطابه عن النصراني وهكذا بقية الملل والنحل جاء في كتاب لغة القرآن (إنك إذا نظرت الى القرآن ترى تنوع أسلوبه في عهدي نزوله فبينما يمتاز العهد المكي بتقصير العبارة غالبًا وقوتها لأنه كان يخاطب قومًا كفروا بربهم واشتدوا في عنادهم ومحاربتهم لنبيهم، وكثر فيه إيراد الحجج القوية والبراهين الساطعة، ونجد أن أسلوبه في مخاطبته للمؤمنين فيه من الرقة والعذوبة ما يضيء جوانح النفس ويملؤها بهجة وسرورًا وقد أمتاز في العهد المدني بسلامة العبارة ونعومتها وخلوها من القوة إذ إنّ حاجة المخاطبين بعد قيام الدولة الإسلامية إلى التنظيم وتقرير الأحكام وتفصيلها استدعت كل ذلك التنوع من الأسلوب) (2) .

إن التعامل مع هذه الأساليب اللغوية منها الدلالية في الآيات القرآنية ينبغي أن يكون دقيقًا وحذرًا للغاية في الوقت نفسه لأنه تعامل مع أعلى مظاهر اللغة، وهو جانب رفيع يكون فيه استعمال الأساليب مع المفردات من التقديم أو التأخير والحذف والإضمار والأمر والنهي وغيرها حتى يكون انطلاقا للكشف عن خفايا النص.

وإن كل دراسة لغوية سواءً كانت نحوية أو بلاغية أو دلالية لها غاية واحدة هي الكشف عن غموض النص وفهمه فهمًا تامًا وقد وجدت خير وسيلة للوصول الى فهم الألفاظ والكشف عن أسرارها هو إتباع نظام الأساليب النحوية ومعرفة دلالتها (3) والأسلوب العربي لا يستقى من مصدر واحد، بل من مصادر شتى من كلام العرب من شعر ونثر فكيف بالقرآن الكريم الذي هو كلام رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إذ نجد أن القرآن هو المصدر الرئيس في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت