لترتيب بالعزو المحقق إلى كل واحد جمع طرق بين المشرق والمغرب\"."
ولما كان موضوع هذه الندوة هو الإجازات وهي من طرق الأخذ والتحمل، وقد ذكر المحدثون أن طرق الأخذ والتحمل ثمانية وهي باختصار: السماع من لفظ الشيخ، القراءة على الشيخ، الإجازة، المناولة، المكاتبة، الإعلام، الوصية، الوجادة، وتفصيل ذلك في كتب الحديث مذكور. والذي يعني القراء من هذه الأقسام أربعة: السماع من لفظ الشيخ، القراءة على الشيخ، الإجازة، الوجادة.
والإجازة على أقسام:
القسم الأول: أن يعرض الطالب على الشيخ، وهذا أعلى أنواع الإجازة، قالوا لأن الشيخ يلاحظ في كيفية الأداء ما يقرؤه الطالب، فإذا قرأ الطالب على الشيخ واستمع إليه، الشيخ يلاحظ أداء الطالب، فليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته، وهذا ملاحظ ومجرب، ما كل من سمع قارئًا يستطيع أن يحاكيه وأن يؤدي كما يؤدي، فقالوا أن هذا أول الأقسام، فمتى ما تلقى الطالب على الشيخ بهذه الطريقة فإنه يجيزه. فإذا أتم الطالب القراءة على الشيخ بهذه وكان متقنًا ضابطًا أجازها الشيخ. وصيغة الإجازة أن يقول الشيخ: أجزت الطالب أن يقرئ بما قرأ به علي، ويقول الطالب عند الأداء: قرأت على فلان. هذا هو القسم الأول وهو أفضلها.
القسم الثاني: السماع من لفظ الشيخ، بأن يقرأ الشيخ والطالب يسمع، الطالب يسمع والشيخ يقرأ، وهذه هي الدرجة الثانية، ويقول الشيخ: أجزت الطالب أن يقرأ بما سمع مني، ويقول الطالب عند الأداء: رويت عن فلان سماعًا، فمن تلقى عن الشيوخ بهذين النوعين، وهما العرض والسماع وكان كامل الأهلية لما عرض وسمع جاز له أن يقرأ وإلا فلا.
قال ابن الجزري رحمه الله تعالى: \"ولا يجوز أن يقرئ إلا بما سمع أو قرأ، فإن قرأ الحروف المختلف فيها أو سمعها فلا خلاف في جواز إقرائه القرآن العظيم بشرط أن يكون ذاكرًا كيفية تلاوته به حال تلقيه من شيخه\". وأعلى ما يكتب للمجاز الإذن والأهلية، فيقول الشيخ للطالب الذي أجازه أن يأذن له ويذكر أهليته لذلك، ثم الإجازة والأهلية، ثم الإذن مجردًا، ثم الإجازة مجردًا، هذا ترتيبها في إعطاء الشيخ الطالب الإجازة. ويجوز له أن يقول: أجزت له أن يقرئ بكذا عند تأهله لذلك، وهذا كما قلت إذا علم أهلية الطالب لذلك.
القسم الثالث: إذن الشيخ للطالب في الرواية عنه مروياته التي لم يقرأها عليه ولم يسمعها منه، وفي جواز الرواية بها خلاف بين العلماء، فأبطلها جماعة من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول، قال القسطلاني بعد تقريره العمل بها عند المحدثين: \"وهل يلتحق بذلك الإجازة بالقراءة، الظاهر نعم، قال ابن الجزري: \"جوز العمل بها مطلقًا .. \""
الحاصل أن الإجازة من الشيخ إلى الطالب الذي لم يقرأ عليها منعها القراء إلا بشرط وهو أن يكون الطالب ذا أهلية وعلم الشيخ أهليته، وقد كاتب ابن الجزري بعض العلماء بالشام ومصر في أخذ الإجازة له ولأبنائه فأجازوه مع أنه لم يقرأ عليه ولكن لكمال أهليته وعلمهم بمكانته ومكانة من طلب له الإجازة.
آخر المواضيع الأخيرة وهو الوجادة، هذه الوجادة أجازها علماء الحديث بشرطها ولا يجيزها علماء القراءات بأي حال. وقد ذكر ابن الجزري نماذج لها من كتاب الروضة لأبي علي المالكي وذكر أمثلة، فالوجادة بكسر الواو مصدر مولد، وكيفيتها أن يقول وجدت ولا يصح أن يقول فيما وجده قرأت أو سمعت أو حدثنا، وكلام ابن الجزري مذكور ولعل هذا إن شاء الله سينشر في الموقع.
فالشاهد أن موضوع الإجازة من الموضوعات الهامة التي ينبغي الاهتمام بها، وينبغي للمجيز أن يتقي الله عز وجل فيمن يجيز، فلا يجيزه إلا إذا كان ذا أهليةٍ كما نبه على ذلك العلماء قديمًا وحديثًا، وما سمعنا كما قال الدكتور الآن من يجيز من غير تمحيص ومن غير تنقيح فهذا لا يجوز، بل إن بعض العلماء كان لا يجيز إلا من تعلم الرسم إلى جانب القراءات، ولا زال هذا موجود في أفريقيا وفي موريتانيا، كانوا لا يجيزون إلا من قرأ المقرأة أو الرواية مع العلم بالرسم والضبط لاتصال هذين الفنين ببعضهما البعض.
وفي الختام، أسأل الله عز وجل أن يشكر لهذه الجامعة وعلى رأسها معالي مدير الجامعة، وعميد كلية أصول الدين، والأساتذة الفضلاء اهتمامهم بهذا الجانب والدعوة له والحضور، كما أسأله عز وجل أن يوفق الجميع لخدمة كتابه.
وإن كانت هناك من توصيات فأرجو أن تمتد هذه الشجرة المباركة إلى خارج المملكة فيكون هناك اتصال بين الجمعية وبين علماء مختصين خارج المملكة ودعوتهم كذلك لإقامة الندوات كما نتمنى أن تقام ندوات في خارج نطاق الجامعة هنا على مستوى المدينة المنورة، مكة، والمناطق الأخرى التي فيها فروع للجمعيات. كما نتمنى كذلك أن تحصر الإجازات المهمة، وتكون معلومة للجميع حتى لا يدخل دخيل وحتى يعرف الذين يجيزون إجازات لها مكانتها من الذين يتطفلون على هذه الإجازات، فيجيزون كيفما اتفق.
هذا وفي الختام، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.