وقد كان الإسلام حسب هذا التصور القروسطي، في أفضل الأحوال هرطقة وفي أسوئها تحديا مباشرا للمزاعم والمهمة المسيحية [1] .وهو"عقيدة ابتدعها محمد ( ... ) تتسم بالكذب والتشويه المتعمد للحقائق، إنها دين الجبر، والانحلال الخلقي، والتساهل مع الملذات والشهوات الحسية، إنها ديانة العنف والقسوة" [2] .
وقد وظفت هذه الصورة القدحية الدعائية لاستعداء المسيحيين على ما اعتبر خطرًا إسلاميًا ُمحدِقًا بمناطق النفوذ المسيحي، وهكذا تمّ تبرير الفظائع الصليبية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وأُلبِسَت لبُوسَ الدفاع عن المسيحية، وإن كانت في حقيقتها ذات أهداف"اقتصادية".
مع منتصف القرن الخامس عشر، أصبح واضحًا للمفكرين الأوروبيين، كما أظهر"آروو سذرن":"أن عليهم أن يفعلوا شيئا ما حول الإسلام"الذي كانت جيوشه حينذاك قد وصلت إلى أوروبا الشرقية [3] ،وبما أن"الاهتمام الأوربي بالإسلام لم يكن مستمدًا من الفضول، بل من الفزع إزاء منافس للمسيحية، توحيدي ومتقدم ثقافيا وعسكريا" [4] ،فإن تعزيز الوعي المسيحي بالذات دفع المسيحيين، إلى تقديم الآخر المسلم في أبشع الصور وأشنعها، وهكذا صاغت المخيِّلة المسيحية الغربية في العصر الوسيط ثلاث صور نمطية كبرى عن الإسلام: الوثنية، العنف، والشبقية، بكل ما يستتبع ذلك من كفر ووحشية وانحلال [5] .
وحين تم استحضار الديانة الإسلامية من جديد في"عصر الأنوار"لم تسمح الحمولات الفكرية التي أُلصِقَت بها واعتبرتها معادية للمسيحية بالقيام بتحليل حقيقي لمضمونها، رغم محاولات أولئك الذين سعوا إلى ربطها بأنماط عيش السكان [6] ،حتى أن"فولتير"، وهو أحد زعماء فكر الاستنارة الأوربي، كتب مسرحية شهيرة بعنوان:"التعصب أو محمد النبي"عُرضت لأول مرة في مدينة"ليل"الفرنسية عام 1741 م. وقد وصف فيها
(1) اسبوزيتو، جون. التهديد الإسلامي، خرافة أم حقيقة؟ م. س. ص: 60
(2) - جرافسكي، ألكسي. الإسلام والمسيحية، ترجمة: خلف محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة، مطابع السياسة، الكويت، ط. 1996، ص: 75.-
(3) - سعيد، ادوارد. الاستشراق .. المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الثالثة 1991، ص: 91.
(4) ، ادوارد سعيد. تعقيبات على الاستشراق، ترجمة: صبحي حديدي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1986، الطبعة الأولى، ص: 119.
(5) - أفاية نور الدين، الإسلام في متخيل الغرب، م. س. ص:
(6) - فارغاس إيف، تأملات حول الحوار بين الثقافات، ندوة: حوار الثقافات: هل هو ممكن؟ أكاديمية المملكة المغربية، الرباط 13 - 14 - 15 دجنبر 2003.