الصفحة 17 من 28

النبي صلى الله عليه وسلم، بما كان سائدًا عنه في أوربا آنذاك، بأنه كان"دجالا، ومستبدًا، تحرِّكه الشهوات الحسية، ومتعطشًا للدماء" [1] ، وقد تراجع"فولتير"عن هذا الموقف، في مؤلَّفه"دراسة في الأخلاق والعادات" [2] ، حيث عبَّر عن إعجابه الشديد بالقرآن والإسلام ومحمد عليه السلام، وهاجم بشراسة ادعاءات الرُّهْبَان مؤكِّدًا أن"شريعة الإسلام صالحة لخير الإنسان" [3] .

ومع بدايات القرن التاسع عشر، بدأ الغزو الاستعماري الأوربي للعالم الثالث، وبرزت معه النزعة الاستعلائية العنصرية وبلغت عنْجَهِية بعض المستشرقين الغربيين مثل الإنجليزي"ماكولي"حد الادعاء ب"أن رفًا واحدًا من مكتبة أوروبية جيّدة يعادل كل التراث الوطني للهند والجزيرة العربية" [4] .. هذا الاحتقار تمثَّل أيضًا فيما ذهب إليه المستشرق الفرنسي"شارل بيلا"Pilla) (من أن"العرب لا يستحقون لغتهم" [5] .

وفي هذه المرحلة كان مصطلح"بدائي"سِمَة توصَم بها شعوب العالم الملوَّنة دون أي تمييز، وعكست العلوم الاجتماعية في تطورها هذا التقسيم للعالَم [6] . لن نتحدث عن رأي الأنثروبولوجيين العاملين لحساب الاستعمار، و إنما سنعطي المجال لمن يعد أكثرهم موضوعية حتى نسمع رأيه في الإسلام. إنه كلود ليفي ستراوس.

برز الأنثروبولوجي الفرنسي"كلود ليفي شتراوس"كقائد لثورة إثنولوجية تتحدّى المركزية الغربية، حيث اختط لنفسه منهجًا علميًا رصينًا سار على دربه في دراسة ثقافات المعمورة بما فيها تلك الثقافات المغمورة، محاولا سَبْرَ أغوارها واستجلاء مكنوناتها، وقد حقق في ذلك نجاحًا باهرًا، إلا في موضع واحد وأمام ثقافة واحدة!! .. الثقافة العربية الإسلامية، التي تعامل معها بمنهج أقرب إلى الاستشراق المغرِض، منه إلى منهجه في الإثنولوجيا الجديدة التي كان هو نفسه واضع أسسها. ففي مداراته الحزينة (Les tristes tropiques) يخبرنا"ستراوس"بتفاصيل رحلته عبر القطار بين كاشمير وروالبندي في باكستان، هناك حيث جمعته الرحلة مع أسرة مسلمة، كانت الأم - كما يصفها - مُنطَوِية على نفسها، قابعة في عزلتها، تشِيحُ عنه بوجهها وتدِير له ظهرها [7] .وكان هذا التصرف - الغريب في تصوره

(1) - زقزوق محمود حمدي، الإسلام في تصورات الغرب، ص: 142 بتوسط: أحمد عبد الوهاب، الإسلام في الفكر الغربي، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، ط. 1993، ص: 89.

(2) -أنظر المجلد الثالث من أعمال فولتير المنشورة عام 1835

(3) - أنظر المجلد السابع من القاموس الفلسفي لفولتير، ص: 8 إلى 45.

(4) - وورسلي، بيتر. العالم الثالث، ترجمة: حسام الخطيب، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، دمشق، ط. 1968، ص: 43

(5) - رودنسون، ماكسيم. حوار مع جان دانييل، لونو فيل أو بسيرفاتور، باريس، عدد 25 يونيو، 1 يوليوز 1998، ص: 75

(6) -ياسين، السيد. الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1981، ص: 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت