الصفحة 23 من 28

كان هذا قبل سقوط الاتحاد السوفياتي، أما بعد نهاية الحرب الباردة، فقد جنَّد أكاديميو وكالة الاستخبارات الأمريكية أنفسهم للبحث عن عدو جديد، فكان"باري بوزان"أستاذ الدراسات الدولية في جامعة"وورويك"من الأوائل الذين طرحوا فكرة الصدام الحضاري مع الإسلام، وذلك في مقال نشره بعنوان"السياسة الواقعية في العالم الجديد: أنماط جديدة للأمن العولمي في القرن الواحد والعشرين"، [1] وذهب فيه إلى أن الصِّدَام الحضاري سيكون في القرن الحادي والعشرين"أوضح ما يكون بين الغرب والإسلام"، مبرِّرًا ذلك بعوامل عدة منها: عوامل ثقافية تعود إلى التنافس التاريخي بين الإسلام والمسيحية، والتعارض بين القيم العلمانية الغربية وبين القيم الإسلامية، وعوامل نفسية مثل"غيرة المسلمين من قوة الغرب"، إضافة إلى عامل"الهجرة إلى الشمال". وهكذا، يقول الكاتب:"فإذا اجتمع خطر الهجرة وخطر تصادم الثقافات أصبح من السهل وضع تصور لنوع من الحرب الباردة الاجتماعية بيْن المركز وجزء من الأطراف على الأقل، ولا سِيَمَا بين الغرب والإسلام". ثم يضيف"الحضارة الهندية"كطرف محتمَل في الصدام الحضاري ضد الغرب، أي أن الحرب الحضارية التي تنبأ بها ستكون بين طرفين: الغرب من جهة والحضارتان الإسلامية والهندية من جهة أخرى. [2]

ويتضح أن هذه الرؤية مهَّدَت السبيل أمام"هنتنغتون"ليطرح نظريته التي أبقى فيها على الإسلام كطرَف في الصدام مع الغرب، مع استبدال"الحضارة الهندية"بالكونفوشيوسية، أي أن الكاتبَيْن اتّفقَا على أن"الخطر الإسلامي الأخضر"حلّ مَحَلّ"الخطر السوفياتي الأحمر". وهذا أمر طبيعي ما دام الاستشراق احتفظ بالاسلام كعدو ثابت على مر الزمان.

وفي هذا إعداد للرأي العام لِمَا تعتزم الإدارات الأمريكية الإقدام عليه من عُدْوَان على البلدان المستضعَفة، وخاصة على العالم الإسلامي. لذلك صوَّر"هنتنغتون"الإسلام كَدِين عنيف لا يُقِرُّ التسامح أو التعايش مع غير المسلمين، حيث يقول:"الإسلام منذ البداية كان دين السيف، والإسلام انتشر بالسيف، ويثمِّن ويعظِّم القيم والفضائل العسكرية. الإسلام نشأ وظهر بين قبائل البدو والرّحّل المقاتلين. وهذا الأصل العنيف طَبْعٌ في تأسيس الإسلام،"

(2) أنظر: الجابري، محمد عابد. الإسلام من منظور الإمبريالية الأمريكية، مواقف، الكتاب 23، الطبعة 1، يناير 2004، ص: 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت