الشراكة المجتمعية كآلية لتفعيل سياسة التشغيل وتحقيق التنمية المستديمة في الدول العربية
دراسة في نجاعة المقاربات النظرية الحديثة لخلق فرص العمل.
بالنور علاء الدين
أستاذ مساعد قسم ب
جامعة الدكتور الطاهر مولاي سعيدة
كلية الحقوق والعلوم السياسية
مما لاشك فيه أن مسألة التشغيل وخلق فرص العمل يُعتبر تحديًا وهاجسًا لمعظم دول العالم لاسيما العربية منها، حيث تسعى هذه الدول وعن كثب إلى رسم سياسات تنموية تهدف إلى مكافحة البطالة وخلق مناصب عمل حقيقية ودائمة للشباب. ومما زاد من تفاقم هذه الظاهرة في مختلف في هذه الدول هو الأزمات الاقتصادية والمالية المتتالية والتي شهدها العالم لاسيما الأزمة الاقتصادية التي جابهت الدول العربية نتيجة سقوط أسعار البترول سنوات الثمانينيات من القرن المنصرم، وكذلك الأزمات المالية العالمية، ونخص بالذكر الأزمة المالية العالمية التي حدثت في الآونة الأخيرة، والتي كانت لها انعكاسات خطيرة على اقتصاديات الدول المتقدمة الرأسمالية وأقل خطرًا على الدول العربية من جراء الخلل الذي تعاني منه المنظومة الرأسمالية والتي زادت من عمق البطالة نتيجة إفلاس القطاع الخاص وتسريح العديد من العمال. حيث انجر عنه إعادة صياغة المنظومة الرأسمالية والاقتصاديات الوطنية لهذه الدول بما يؤكد من جديد على دور الدولة في التدخل من أجل إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية وضبطها بما يتوافق مع خلق فرص عمل للشباب العاطل وتحقيق التنمية المستديمة.
ضمن هذا الإطار، ورغم الخلل الذي تُعاني منه المنظومة الرأسمالية في التخطيط لسياسات اقتصادية فعالة هدفها ترشيد وتفعيل عملية التوظيف والتكثيف من عدد مناصب العمل في المؤسسات والشركات الاقتصادية سواء كانت ذات طابع خدماتي أو سلعي من خلال زيادة تنافسية هذه المؤسسات على المستويين الداخلي والخارجي وخلق بيئة ملائمة و محفزة للاستثمار، مازال التنظير ذو الطابع الانجلوساكسوني طاغيًا على المقاربات الحديثة التي ُتستخدم الآن من أجل دفع عجلة التنمية المستديمة باعتماد ما يعرف حاليًا بالسياسات الاقتصادية الرشيدة تحت مظلة الحكم الرشيد La Bonne Gouvernance، والذي يقدم دورًا مميزًا لكل من القطاع الخاص والمجتمع المدني في ابتكار وتجسيد سياسات اقتصادية واجتماعية رشيدة الهدف منها القضاء على ظاهرة البطالة وتخفيف العبء الموكل على الدولة في تحقيق التنمية المستديمة, ضمن سياق ما يعرف الآن بالتسيير العمومي الجديد NPM، وكذلك حوكمة المؤسسات الاقتصادية، أي دور أكبر وإشراك متنامي للقطاع الخاص في تنفيذ السياسات الحكومية في جميع المجالات، وبالأخص السياسة التشغيلية، مع دور إشرافي ورقابي وتحفيزي للحكومة في دفع القطاع الخاص نحو تقلد هذه المهمة. ولكن وكما تم الإشارة إليه آنفًا، وفي ظل الخلل والنقص وأحيانا التناقض الذي يتسم به المذهب الرأسمالي والذي أثبت فشله في إيجاد صيغة حلول ناجعة للأزمات المالية التي تقع بين الحين والآخر، حيث أضحى الساسة والقادة والمنظرون الأكاديميون في مجال السياسات العامة Les Politiques Publiques والاقتصاد السياسي يُؤكدون على إعادة دور الدولة التدخلي في تجسيد سياسات اجتماعية ضمن مقاربة الدولة الاجتماعية أو دولة الرفاه أو ما يعرف حاليًا بالدولة التنموية، في تخطيط وتنفيذ وضبط السياسات الاقتصادية بما يكفل الحياة الكريمة للمواطنين، وبما يُؤسس لمناصب شغل دائمة من خلال تمويل المؤسسات المفلسة وإعادة تأهيل الشركات العمومية التي شهدت إفلاسًا خلال اعتماد تجربة الاقتصاديات الموجهه، وهذا ما نلمسه مؤخرًا ضمن التوجهات الجديدة للحكومة في السياسة الاقتصادية والتشغيلية في الجزائر. من خلال ما سبق التطرق إليه، نحاول في هذه المداخلة تشخيص محدودية دور الشراكة المجتمعية للأطراف الثلاثة للحكم وهي الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في تفعيل سياسة التشغيل والقضاء على البطالة وكذا تحقيق التنمية المستديمة في الدول العربية، أي تقييم ما مدى نجاعة المقاربات النظرية الحديثة التي تنادي بها المؤسسات المالية العالمية في خلق فرص عمل حقيقة للعاطلين عنه؟ وما هو التحدي والخيار الذي يجب أن تعتمده الدول العربية في هذا الإطار من أجل القضاء على البطالة لاسيما وأن هذه الدول تعاني من أزمات