الصفحة 5 من 12

وبما أن عجز الموازنة العامة للدولة هو من أهم مصادر الإفراط في عرض النقود، فلابد أن يحتل القضاء على هذا العجز أهمية خاصة، وهو ما يتطلب"كبح جماح النشاط الاجتماعي"للدولة، أي تجنب أي سياسة تدخليه للدولة، كما أن تقليص هذا العجز سوف يقلل من حاجة الحكومات لزيادة الضرائب و الدين العام الداخلي. ومن جهة أخرى يجبر تقليل مدفوعات الضمان الاجتماعي للعمال العاطلين على قبول الأعمال التي كانوا يرفضونها في حالة وجود هذه المدفوعات، وترى هذه المدرسة أيضاُ أن على الفقراء الاعتماد على أنفسهم في البحث عن العمل الذي يناسبهم بالأجور السائدة في السوق، بيد أن ذلك يتطلب سوق عمل حرة الأمر الذي يتطلب إضعاف نقابات العمال وإلغاء قوانين الحد الأدنى للأجور وإعانات البطالة. [1]

في سياق آخر، يعتقد أنصار مدرسة شيكاغو بأن ليس من مهام الدولة في النظام الرأسمالي العمل على تحقيق التوظيف الكامل، بل يجب أن تنحصر أدوار الدولة في أداء وظائفها التقليدية المعروفة (الأمن الداخلي والأمن الخارجي ومراقبة تنفيذ القوانين) ، وأن تتولي وضع و تنفيذ سياسة نقدية منضبطة تحقق الاستقرار النقدي، [2] أي تأمين إطار مستقر لعمليات السوق (العرض والطلب) . [3] ولا يتطلب علاج البطالة والركود التأثير في الطلب الكلي كما يذهب إلى ذلك الكينزيون، بل يتطلب العمل على تحفيز رجال الأعمال للقيام بالاستثمار وزيادة الإنتاج، ويكون ذلك من خلال خفض الضرائب المفروضة على الدخل والثروة، وتحجيم ـ أي تقليص ـ القطاع العام ونقل ملكيته للقطاع الخاص والحد من البيروقراطية، وإطلاق آليات السوق ومحاربة الرقابة الحكومية على الأجور والأسعار. [4]

تؤكد مدرسة شيكاغو أو المدرسة النقدية على أن هناك معدلا طبيعيا للبطالة يميل إليه كل اقتصاد في حالة التوازن، وأي ارتفاع أو انخفاض لمعدل البطالة عن معدله الطبيعي يكون سببه الإعدادات المؤسسية Les arrangements institutionnels كالتأمين على البطالة والحد الأدنى للأجور وقوانين العمل والنقابات. ويرى فريدمان ميلتون أن معدل البطالة يتبدل ويتغير استجابة لخصائص السوق والتي هي نتاج الفعل الإنساني والسياسات المتبعة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية نجد مثلا التشريعات المرتبطة بالحد الأدنى للأجور، وقوة النقابات تجعل من معدل البطالة الطبيعي أكثر ارتفاعا مما هو علية في الحالة العادية، كما أن أي سياسة باتجاه دفع الطلب وتخفيض هذا المعدل الطبيعي للبطالة كالسياسات النقدية والجبائية هي غير مجدية على المدى الطويل وتؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم والبطالة. [5]

ب مدرسة العرض:-

يرى أصحاب هذه المدرسة والتي تداعت أفكارها بداية السبعينيات، أن أزمة البطالة والركود في الاقتصاديات الرأسمالية المعاصرة لا تكمن في نقص الطلب الكلي الفعال كما ذهب إلى ذلك الكينزيون، وإنما في نقص قوى العرض، وأن الخروج من هذه الأزمة يكون بالعمل على إنعاش الحوافز التي من شأنها أن تزيد من قوى الادخار والاستثمار والعمل والإنتاج. من جهة أخرى، يعتقد أصحاب هذه المدرسة صحة قانون ساي للأسواق الذي ينص على أن العرض الكلي يخلق الطلب الكلي المساوي له، ومن ثمة لا توجد احتمالات لوقوع أزمات إفراط إنتاج عامة. كما يعتبر هؤلاء أن الرأسمالية نظام مستقر أي أنها قادرة بشكل آلي وتلقائي على تصحيح اختلالات السوق دون الحاجة لأي تدخل من طرف الدولة (الحكومة) . [6]

تعد القضية المركزية التي أولاها أصحاب مدرسة اقتصاديات جانب العرض لمكافحة الركود والبطالة هي خفض معدلات الضرائب على الدخل والثروة، [7] فحسب Arthur Laffer و Jean P Seymour اللذان نشرا كتابا عنوانه"اقتصاديات الثورة على الرسوم"The economies of tax revolt، والذي حمل العديد من الأفكار أساسها أن الضرائب المرتفعة على المداخيل و الأرباح لا تشجع على المبادرة والادخار، وبالتالي لا تشجع علي الاستثمار والإنتاج، في حين أن الجباية المرتفعة و الرديئة تعمل على ظهور الأنشطة غير الرسمية كتوسع التشغيل غير المصرح به تهربًا من دفع الضريبة، وفي هذا الصدد يقترح الكاتبان تخفيضات معتبرة في الضرائب المباشرة، والتقليل منها لأن الأغنياء هم الذين يدخرون و يستثمرون في النهاية. ومن جهة أخرى لا يوافق مفكروا مدرسة العرض المدرسة النقدية في اهتمامها المفرط بعرض النقود وإهمالها لعملية الإنتاج والابتكار لاسيما وأن المشكلة حسبهم لا تكمن في التضخم أساسا، بل في ركود الإنتاج الناجم عن نظام جبائي يحطم المبادرة والاستثمار. إلا أنهم في نهاية المطاف يؤيدون النقدية في أفكارها حول مزايا السوق والمنافسة، ويعتبرون أن الاقتصاديات المعاصرة لا تعرف اختلالات أو بطالة، وإن ظهرت فهي نتاج عوامل خارجية. كما يؤيدون المدرسة النقدية من موقفها المعارض للسياسات الكينزية، لا سيما وأنهم يعتبرونها ليست فقط غير فعالة بل يمكن أن تنجر عنها نتائج معاكسة. [8]

ج- مدرسة التوقعات الرشيدة:-

(1) - رمزي زكي، المرجع السابق، ص ص 422 - 423.

(2) - نفس المرجع، نفس الصفحة.

(3) - عبد الحميد قرومي وعبد القادر شلالي، المرجع السابق.

(4) - رمزي زكي، المرجع السابق، ص 423.

(5) - عبد الحميد قرومي وعبد القادر شلالي، المرجع السابق.

(6) - رمزي زكي، المرجع السابق، ص 424.

(7) - نفس المرجع، نفس الصفحة.

(8) - عبد الحميد قرومي و عبد القادر شلالي، المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت