وآليات السوق لتنظيم الحياة الاقتصادية. على هذا الأساس قامت الليبرالية الكلاسيكية على ثلاثة أسس رئيسية هي:- [1]
-القانون الطبيعي: يعني أن هناك قوانين طبيعية خالدة تحكم المجتمعات.
-الحرية الاقتصادية: تعني عدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية.
-المنافسة الكاملة: أي أن آلية السوق (قانون العرض و الطلب) هي التي تحدد توازن النظام بصورة تلقائية.
لقد نشأ النظام الرأسمالي في نسخته الكلاسيكية على هذه الأسس وعلى مقولة آدم سميث و قانون ساي، حيث تم اعتبار الرأسمالية بأنها نظام متكامل ومتوازن، ولكن نشوب الحربين العالميتين (الأولى والثانية) كان لهما أثرا سلبيا على تطور النظام الرأسمالي، وهو ما بدى مؤيدا لمسعى الاشتراكيين وغيرهم من مناهضي الرأسمالية والذين أكدوا على أن النظام الرأسمالي إنما قام على جثث الفقراء والكادحين، كما وصفوا النظام الرأسمالي بأنه مستعد لإبادة شعوب بأكملها من أجل أن يبقى ويسود.
ومما زاد من الشكوك حول فعالية نظام"دعه يعمل دعه يمر"وقوع أزمة الكساد العظيم (1929) ، لاسيما أن هذه الشكوك كانت نابعة من داخل النظام نفسه، وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى المقال الذي كتبه ج. م. كينز عام 1926 تحت عنوان"نهاية دعه يعمل"La fin de laissez faire، وفيه شكك كينز في آلية اليد الخفية القادرة على تحقيق توازن النظام، وأكد بدوره على ضرورة العودة إلى أفكار بنتام بريك Bentham Bruke التي تدعو إلى ضرورة تحمل الدولة لمسؤولياتها في نظام"دعه يعمل"من خلال التدخل في الحياة الاقتصادية. على ضوء هذه الطروحات لقيت أفكار كينز والتي لخصها كتابه الشهير"النظرية العامة في الفائدة والنقد"ترحيبا ورواجًا لا نظير له في تاريخ علم الاقتصاد. [2]
لقد فتحت أفكار كينز المجال لبروز ما يعرف بدولة الرفاه Welfare state والتي تعطي للدولة دورا جوهريا وفعالا في دفع عجلة النمو الاقتصادي وتحقيق الحماية الاجتماعية للمواطنين وتوفير الحياة الكريمة لهم، من خلال زيادة النفقات العمومية، كما عالجت هذه الأفكار أزمة البطالة عن طريق تفعيل سياسات الطلب الكلي. وبالرغم من الهجوم الذي وجهه كينز والعديد من الاقتصاديين الآخرين المؤيدين له إلى الليبرالية الكلاسيكية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن المنصرم فإنها لم تندثر، بل ظلت قائمة في كنف الكينزية، حيث نمت وإن آثرت الانزواء، وبدا أن عددا من أنصارها قد أصبحوا كينزيين، وقد ساهم بعض منهم بشكل أو بآخر في هدم الكينزية. [3]
لقد مر الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية بفترة طويلة نسبيا من الانتعاش والاستقرار الاقتصادي، على إثر تطبيق السياسيات الاقتصادية الكينزية، ودام هذا الانتعاش إلى غاية الستينيات ليدخل بعدها الاقتصاد العالمي في أزمة طويلة مست كل البلدان الرأسمالية المتطورة، كما مست أيضا البلدان النامية. حيث ظهرت ملامح هذه الأزمة في انخفاض مؤشرات الإنتاج العالمي، وتباطؤ التشغيل، بالإضافة إلى تراجع حجم التجارة الدولية، وارتفاع مستويات البطالة، والتضخم في البلدان الصناعية، [4] مما انجر عنه نشوب صراع فكري حاد بين مختلف المدارس الاقتصادية حول السبيل للخروج من هذا الكساد، كما بات واضحا آنذاك أن الكينزية أصبحت في محنة لعدم قدرتها على تفسير هذا الكساد، وفشل السياسات المنبثقة عنها (سياسات الطلب الكلي) . [5] وانعكاسا لهذه الأحداث برزت مجموعة من المدارس الاقتصادية التي حاولت تفسير أزمة الكساد التضخمي وإعطاء حلول لمعالجتها، ولكن الحلول المقدمة من هذه المدارس تراوحت حول إشكالية رئيسية تتمحور حول تدخل أو عدم تدخل الدولة في تنظيم وضبط الحياة الاقتصادية، ضمن هذا الإطار يمكننا أن نميز بين أربعة مدراس فكرية أساسية هي:-
بزعامة المفكر الاقتصادي الشهير فريدمان ميلتون الذي يرى و آخرون معه أن التغلب على الكساد التضخمي يتطلب القضاء أولًا على التضخم نظرًا للتداعيات الخطرة الناتجة عنه، والتي تعوق السير الحسن للنظام الاقتصادي. فالتضخم حسب هذه المدرسة هو ظاهرة نقدية بحتة يرجع في الأصل إلى أخطاء السياسة النقدية التي تفرط في إصدار النقود دون ضوابط محكمة، ويعتقد أنصار هذه المدرسة أن السياسة السليمة التي تكفل الاستقرار النقدي تتطلب إيجاد درجة محمودة من التناسب بين نسبة التغير في كمية النقود و نسبة التغير في حجم الناتج الحقيقي، وأنه لتحقيق ذلك يجب أن ينمو الرصيد النقدي في الاقتصاد القومي بنسبة تتراوح ما بين 3% و 5% سنويا، [6] لأن أي تغير في الكتلة النقدية سوف ينعكس في المدى البعيد بتغير في نفس الاتجاه ونفس الحجم لمستوى الأسعار. [7]
(1) - رحيم حسين، الإطار الفكري والمؤسس للعولمة الاقتصادية: من كينز إلى ستيغلتيز. مجلة اقتصاديات شمال إفريقيا، العدد 05، ص 100.
(2) - نفس المرجع، ص ص 10 - 11.
(3) - نفس المرجع، نفس الصفحة.
(4) - عبد الحميد قرومي، عبد القادر شلالي، انعكاسات العولمة على مسألة البطالة والتشغيل (موقف التيارات النيوليبرالية) . مداخلة قدمت للملتقى الوطني حول سياسة التشغيل و دورها في تنمية الموارد البشرية، جامعة محمد خيضر بسكرة، 13 - 14 أفريل 2011. بدون رقم الصفحات.
(5) - رمزي زكي، الاقتصاد السياسي للبطالة. الكويت: عالم المعرفة، ص 421.
(6) - نفس المرجع، ص 422.
(7) - عبد الحميد قرومي و عبد القادر شلالي، المرجع السابق.