الصفحة 6 من 12

حسب أنصار هذه المدرسة فإن التوقعات Expectations تلعب دورا مهما في النشاط الاقتصادي، فهي تؤثر في الأسعار والإنتاج والعمالة والادخار والاستثمار، حيث تقوم هذه المدرسة على فرضيتين أساسيتين هما: أن الناس يستخدمون المعلومات المتوافرة لديهم هذا من جهة، ومن جهة أخرى تعد الأسعار والأجور مرنة. يشير فحوى الفرضية الأولى إلى أن الناس يشكلون توقعاتهم بناءا على ما يتوفر لهم من معلومات مما يستحيل على الحكومة أن تخدع الناس، أما مضمون الفرضية الثانية فيؤكد على أن الأسعار و الأجور تتكيف دائما بسرعة طبقا لحالة العرض والطلب، وأن الناس على دراية بالمعلومات ومبادئ النظرية الاقتصادية لذا فهم يستخدمونها في تنبؤاتهم، أي أنهم على دراية بكيفية سير النشاط الاقتصادي وبرامج الحكومة وسياستها. [1]

على ضوء هاتين الفرضيتين، تعتبر أفكار هذه المدرسة نقيضًا لأفكار المدرسة الكينزية، حيث تشير إلى أن البطالة الموجودة في النظام الرأسمالي هي بطالة اختيارية وليست إجبارية، فهم يعتبرون أن أسواق العمل تتكيف بسرعة مع الصدمات، وأن الأجور تتغير تبعًا لتغيرات العرض والطلب. وحسب رأيهم تتزايد البطالة لأن الناس يبحثون عن وظائف أفضل في فترة الكساد، وليس بسبب أنهم لا يجدون وظائف. وتتلخص أفكار هذه المدرسة في أنه لو تمكن الناس من توقع اتجاه السياسة الكلية و آثارها في أعمالهم بشكل صحيح، لقاموا بالتكيف مع هذه السياسة تبعا لذلك مما يجعلها غير فعالة، حيث تستمر الأسعار في الارتفاع ولن تنخفض معدلات البطالة. في نفس الإطار تؤدي السياسة النقدية الانكماشية التي تستهدف مكافحة التضخم إلى بطء الإنتاج وزيادة معدل البطالة، إذ من الصعوبة خفض التضخم دون أن يواكبها ذلك انكماش وبطالة. فمهما بذلت الحكومة من جهود لخفض معدل البطالة، فإنها ستنجذب دائما نحو معدلها الطبيعي، لهذا فمن الأفضل أن يكون هناك استقرار في السياسات الحكومية، لذلك فهم يعتبرون أن تصحيح الاختلالات الكلية المتمثلة في الركود والبطالة المرتفعة يتطلب الحرية الاقتصادية وتقييد دور الحكومة في إدارة النشاط الاقتصادي. [2]

د- المدرسة المؤسسية:-

تنطلق هذه المدرسة من نقدها الشديد للاقتصاديين النيوكلاسيكيين، حيث يعتقد أنصارها بأن المنافسة واقتصاديات السوق قد فقدت فاعليتها كمنظم شامل للاقتصاد الوطني خاصة مع سيادة الاحتكارات. كما أنهم ينتقدون النيوكلاسيك في إهمالهم المطلق للعوامل الاجتماعية والسياسية والقانونية والتنظيمية في التحليل، ويختلفون معهم أيضا في النتيجة الأساسية التي توصلوا إليها، وهي أن الرأسمالية نظام مستقر بطبيعته وقادر على تصحيح الاختلالات تلقائيا دون الحاجة إلى التدخل الحكومي. [3]

وبالرغم من وجود اختلافات كبيرة بين أنصار هذه المدرسة فيما يتعلق بنطاق ومحتويات و توجهات الإصلاح لمعالجة مشكلات الرأسمالية، ومن بينها مشكلة البطالة. فإنهم يتفقون على أن تلك المشكلات تعود في واقع الأمر إلى الفجوة القائمة بين مستويات التطور المرتفعة في الإنتاج و التكنولوجيا هذا من جهة، وبين النظام المؤسسي للرأسمالية من جهة أخرى. ولمحو هذه الفجوة يحتاج الأمر إلى إصلاح مؤسسي بين الأطراف الثلاثة الفاعلة في النظام الرأسمالي وهي: الشركات، العمال، الحكومة، أي القيام بنوع من الإصلاح الاجتماعي للرأسمالية تلعب فيه الحكومة دورا هاما لتأمين الاستفادة من نظام السوق وتجنب مساوئها، وهذا ما أكدته أفكار الاقتصادي الشهير جون كنث جالبريث J.K. Galbriath، حيث يعتقد هذا الأخير أن السياسات الكينزية لم تعد فاعلة في مواجهة الركود والبطالة و التضخم، كما يرى بأن فاعلية السوق قد فُقدت تحت تأثير القوى الاحتكارية، فلا يمكن الخروج من وطأة الركود التضخمي إلا من خلال التدخل النشط للدولة في الحياة الاقتصادية، [4] عن طريق الدعوة إلى نوع من الرقابة على الأجور و الأسعار حتى يمكن السيطرة على التضخم وتهيئة المناخ المناسب للارتفاع بمعدلات النمو من ناحية أخرى. ويتطلب درء عيوب التوزيع في النظام الرأسمالي إلى وجود قوانين خاصة بالحد الأدنى للأجور و استمرار إعانات الضمان الاجتماعي للعمال العاطلين، والأخذ بالتخطيط الاقتصادي من أجل تحقيق النمو والتوازن الاقتصادي، وتحقيق التنسيق بين القطاع التكنوقراطي (الشركات) والقطاع العام. [5]

في سياق آخر، لقد كان من آثار انتكاسة النظرية الكينزية بفعل أزمة السبعينيات بروز تيار فكري اقتصادي سمي بتيار الاقتصاد الكينزي الجديد، حاول أصحابه ولعل أبرزهم James Tobin الدمج بين الأفكار النيوكلاسيكية وأفكار النظرية الكينزية، أي البحث عن الأسس الجزئية للاقتصاد الكلي الكينزي بعدما كانت أفكار الاقتصاديين الكينزيين مستمدة من النظرية العامة التي طفح عليها الكيل بفعل التطورات الاقتصادية التي عرفتها فترة السبعينيات، [6] وفي نهاية السبعينيات و بداية الثمانينيات من القرن السابق ظهر تزايد في الانتقادات التي وجهها اليمين الجديد (الليبراليون الجدد) من حجم و كلفة دور الحكومة في إصلاح المشاكل الاقتصادية، كما تم النظر إلى عدم فعالية منظور دولة الرفاه كمحتكر وحيد لتقديم الخدمات، [7] وبالنظر إلى الأزمة المالية

(1) - رمزي زكي، المرجع السابق، ص 425.

(2) - نفس المرجع، ص 427.

(3) - نفس المرجع، نفس الصفحة.

(4) - نفس المرجع، ص 428.

(5) - نفس المرجع، ص ص 428 - 430.

(6) - نفس المرجع، ص 421.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت