الصفحة 3 من 12

هيكلية وبنيوية في الجهاز الحكومي وفي القطاع الخاص وغياب واضح للمجتمع المدني في أداء وظائفه ضمن مقاربات الحكم الجيد (ومنها الرقابة والمحاسبة وابتكار سياسات تنموية) ، وفشل ذريع في مسار الاقتصاديات الموجهة التي اعتمدتها هذه الدول، والتي تركز على دور المؤسسات والشركات العمومية في مكافحة أزمة البطالة، أي هل يجب التفكير في حلول أكثر فعالية تتوسط المنظور الليبرالي الرأسمالي والمنظور الاجتماعي الاشتراكي من أجل التخفيف من نسبة البطالة، بالاعتراف لدور الدولة التنموي في إدارة العملية الاقتصادية وخلق فرص عمل، وكذا عدم إهمال دور القطاع الخاص في هذا المجال باعتباره عنصرًا جوهريا لا يمكن الاستغناء عنه في العملية التنموية.

الشراكة المجتمعية كآلية لتفعيل سياسة التشغيل وتحقيق التنمية المستديمة في الدول العربية

دراسة في نجاعة المقاربات النظرية الحديثة لخلق فرص العمل.

منذ تسعينيات القرن العشرين، احتل مفهوم التنمية المستديمة مكانًا بارزا على المستوى الدولي وغدا من أهم اهتمامات مختلف الحكومات خاصة وأن هذه الأخيرة اعتبرتها مطلباَ أساسيًا وتوجها لا بد منه لتحقيق العدالة والإنصاف في توزيع مكاسب التنمية والثروات بين مختلف الأجيال لاسيما الأجيال القادمة. في هذا السياق وطبقًا للأمم المتحدة تعد البطالة ومعدلاتها من المؤشرات الهامة لقياس درجة ومستوى التنمية المستديمة في أي دولة من دول العالم. [1] لذلك عكف الخبراء وصانعوا القرار على معالجة أزمة البطالة والتفكير بكل جدية في رسم سياسات تشغيلية أكثر فعالية هدفها خلق مناصب عمل دائمة وثابتة.

حيث راوحت هذه السياسات ما بين تيارين فكريين رئيسيين في حقل الاقتصاد السياسي هما:- الليبرالية والتي تؤكد على عدم تدخل الدولة في تنظيم وضبط الحياة الاقتصادية وترك هذه الأخيرة للفاعلين والنشطاء الاقتصاديين الموجودين على مستوى السوق، حيث يحكمهم قانون العرض والطلب والمنافسة. والأخرى الاجتماعية والتي لا تجد مانعا في التدخل المفرط للحكومات في إدارة العملية والأنشطة الاقتصادية. وفي ظل الخلل والنقص الذي تتسم به هذه المنظورات الفكرية الوضعية المنطوية تحت غطاء التيارين السابق ذكرهما في تقديم حلول ناجعة للقضاء على ظاهرة البطالة أو على الأقل الإقلال منها ومن خطورتها على المجتمع، برز تيار فكري معاصر يؤسس لما يعرف حاليا بأدبيات الحكم الجيد Good Governance، والذي يؤكد على أدوار مختلفة ومتباينة ولكنها متكاملة لأطراف الحكم الجديد Governance، والمتمثلة في الحكومة (القطاع الحكومي) والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ويراهن على دور القطاع الخاص والمجتمع المدني في الإقلال أو القضاء على ظاهرة البطالة وتحقيق التنمية المستديمة.

على ضوء ما سبق، وفي سياق معالجة عنوان هذه الورقة تسعى هذه الأخيرة إلى تشخيص و تحليل وتفكيك أزمة البطالة في الدول العربية من خلال مقاربة تقييم دور الشراكة المجتمعية (القطاع العام، القطاع الخاص، المجتمع المدني) في معالجتها والحد منها، وذلك من خلال فحص فعالية الدور الذي يقدمه كل من القطاع الخاص والمجتمع المدني في ظل منظومة الشراكة الجيدة التي تتبناها الدول أو الحكومات العربية من أجل مكافحة البطالة وتحقيق التنمية المستديمة. وهذا ما يجعلنا أمام تأكيد أو عدم تأكيد منظور فكري آخر يؤكد على دور الدولة التنموي في مكافحة البطالة وتحقيق التنمية المستديمة، أي دور أكبر وقوي للدولة عوضا عن القطاع الخاص والمجتمع المدني في التخطيط والتجسيد لمشاريع اقتصادية تنموية هدفها خلق فرص عمل حقيقية للعمال العاطلين.

أولا:- الدولة و المجال الاقتصادي:-

تعد إشكالية العلاقة بين الدولة والمجال الاقتصادي، [2] من الإشكاليات الجوهرية التي تناولتها المذاهب الاقتصادية الفكرية، أي دراسة لفعالية الدور الذي تقدمه الدولة في تنظيم المجال الاقتصادي ومنه تحقيق التنمية الاقتصادية. حيث تقودنا فكرة علاقة الدولة بالمجال الاقتصادي إلى الوصف الذي قدمه ماكس فيبر للدولة باعتبارها الفاعل الوحيد الذي له حق احتكار العنف الشرعي من أجل بسط إرادتها داخل إقليمها، لأنها وبكل بساطة تعد الحامل للمصلحة الجماعية والمعبرة عن الإرادة السياسية للأمة. من هذا الباب، اقتصر دور الدولة في الفكر الليبرالي الكلاسيكي على تحقيق الأمن والدفاع عن الوطن وسن القوانين و تفويض الحقوق و الواجبات بين الدولة والمجتمع. حيث لم يكن تدخل الدولة أو الحكومة في النشاط الاقتصادي مذكورا في أدبيات الليبرالية الكلاسيكية استنادا إلى مقولة الاقتصادي الشهير آدم سميث في كتابه ثروة الأمم"دعه يعمل دعه يمر"وكذلك قانون جون باتيست ساي في الأسواق"كل ما ينتج يستهلك". ضمن هذا النطاق برز ما يعرف بالدولة الحارسة L'etat gendarme. [3] والتي تضمن السلم والأمن للفاعلين الاقتصاديين وتترك المجال لقوى

(1) - ناصر مراد، التنمية المستديمة و تحدياتها في الجزائر، بحوث اقتصادية عربية، العدد 46، ربيع 2009، ص ص 106 - 113

(2) - يعتبر المجال الاقتصادي أوسع نطاقا من النشاط الاقتصادي، إذ تضاف إليه التشريعات الاقتصادية المنظمة للنشاط الاقتصادي وحماية أطراف النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات كما يدخل ضمن المجال الاقتصادي كل ما يتعلق بالقاعدة التعليمية والتكنولوجية و التحتية وعملية التكافل الاجتماعي، بالإضافة إلى إعادة توزيع الدخل و محاربة الفقر. أنظر:-

عبد القادر خليل، الحوكمة و ثنائية التحول نحو اقتصاد السوق وتفشي الفساد (دراسة اقتصادية تقيميه حول الجزائر) . بحوث اقتصادية عربية، العدد 46، ربيع 2009، ص 85.

(3) - عبد الصمد سعدون عبد الله،"ابستمولوجية النظام الرأسمالي"في اختلال المبادئ القيمية ما بين الطروحات النظرية والبناء التطبيقي لاقتصادات السوق. بحوث اقتصادية عربية، العدد 41، شتاء 2008، ص 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت