الاقتصادية التي اجتاحت معظم الدول النامية والتي أعادت التفكير من جديد في مشاريع التنمية التي تقودها الدولة مما انجر عنه إعادة تعريف دورها بالإقلال منه و إعطاء أهمية أكبر للسوق والمنافسة وكذلك للقطاعين الخاص والتطوعي (المجتمع المدني) . [1]
فطبقا لليبيرالين الجدد (النيوليبراليين) تحقق الكفاءة الاقتصادية من خلال المنافسة في السوق لأنه المخصص الفعال للموارد والآلة العقلانية للاتخاذ القرار، كما يعمل على تشجيع الشركات والمؤسسات على الاستثمار، [2] إلا أن المدرسة الكينزية الجديدة والتي دافعت عن سياسات الاستقرار الكينزية التي طبقت في الولايات المتحدة الأمريكية والبلدان الصناعية الأخرى في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد عارضت النقديين والليبرالين الجدد فيما يخص ضرورة إبعاد الدولة عن التدخل في النشاط الاقتصادي، والقبول بفكرة ارتفاع معدل البطالة الطبيعي كمفسر لمشكلة البطالة، وبالتالي فإن معالجة البطالة والتحول من الركود إلى الانتعاش يتطلب زيادة الادخار والتراكم و الإنتاجية وإعادة تأهيل القوى العاملة من خلال برامج واسعة للتدريب وإعادة التدريب، والعودة لسياسة الأشغال العامة الكبرى التي تهدف إلى خلق فرص واسعة للتوظف. [3]
في هذا السياق، وفي ظل الشكوك التي تحيط حول نجاعة التيار النيوليبرالي في تقديم وصفة فعالة لمعالجة الأزمات الاقتصادية الناتجة عن تناقضات المنظومة الرأسمالية، وحل مشكلات الركود والتضخم والبطالة وتحقيق التنمية المستديمة، وكذلك العودة وفي كل مرة إلى الأفكار التي تنادي بضرورة تدخل الدولة في تنظيم وضبط المجال الاقتصادي لاسيما وقت الأزمات المالية والاقتصادية، برز على الساحة الأكاديمية أدبيات جديدة مثل الشراكة المجتمعية، وتم إحياء فكر ما يعرف بالدولة التنموية، ولكن الدارس لمسار بروز هذه الأدبيات لن يكون خافيا عنه السياقات والخلفيات الفكرية التي انطلقت منها، والتي تدور إما حول التيار الفكري الليبرالي الكلاسيكي أو التيار الاجتماعي الكينزي.
إن إصلاح النظام الرأسمالي الذي حصل على يد الليبراليين الجدد كان نتيجة إفلاس القطاع العام في ظل منظور دولة الرفاه نتيجة عجزه عن تقديم سلع وخدمات ذات جودة ونوعية، مقارنة بالقطاع الخاص Private sector الذي أثبت جدارته وكفاءته في هذا المجال، هذا الإصلاح الذي أكدته العولمة الاقتصادية فيما بعد حيث قامت على مبدأ الانسحاب الكلي للدولة من الحياة الاقتصادية، واكتفائها بالتدخل في شؤون الأمن الداخلي أو الخارجي. ضمن هذا الإطار بدأت العديد من دول العالم خاصة المتقدمة منها في إعادة تقسيم الأدوار بين الحكومة (القطاع العام) و القطاع الخاص فيما يتعلق بإدارة الشؤون الاقتصادية، حيث لقي النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية المرتكزة على قوى السوق ودور القطاع الخاص روجا كبيرا، بعدما بات الاعتقاد بأن القطاع الخاص أكثر كفاءة من الحكومة في تخصيص الموارد وتحقيق النمو الاقتصادي. [4]
أ الشراكة المجتمعية:- (أدوار مختلفة لأطراف يراد لها أن تكون متكاملة) .
بناء على ما سبق التطرق إليه، خاصة ما يتعلق بتقاسم الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص من أجل إدارة الحياة الاقتصادية، برز في التسعينيات من القرن العشرين مصطلح الحكم الجيد Good Governance كمفهوم أكثر شمولا وأدق تنظيرا عد كبديل عن الأفكار التي تنادي بالدور المركزي والمحوري الشامل للدولة في تخطيط التنمية في كل مجالاتها، ويؤكد على الاتجاه الرائج حاليا والمتعلق بدور القطاع الخاص وكذلك المجتمع المدني في خلق فرص العمل وتحقيق التنمية المستديمة. [5]
وفي إطار الحديث عن الحكم الجيد، برز مفهوم الشراكة المجتمعية كمؤشر هام لتحقيق التنمية المستديمة، حيث يعرف هذا المفهوم على أنه التفاعل بين ثلاث مكونات أساسية هي الحكومة، القطاع الخاص والمجتمع المدني هدفه تحقيق التنمية المستديمة، كما تعد الشراكة المجتمعية توجها تنمويا يقوم على أساس التكاملية والتكافئية بين الأدوار التي تقوم بها كل من الحكومة و القطاع الخاص و المجتمع المدني، [6] حيث تقوم الدولة (الحكومة) بتهيئة البيئة السياسية والقانونية المساعدة على عمل الأطراف الأخرى لمضمون الشراكة، بينما يهيئ المجتمع المدني للتفاعل السياسي والاجتماعي بتسخير الجماعات للمشاركة في الأنشطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ويقدم النصائح و الاستشارات للأطراف الأخرى، في حين يعمل القطاع الخاص على تحريك العملية التنموية وخلق فرص العمل وتحقيق الدخل لأفراد المجتمع. [7]
ولما بات القطاع الخاص محور العملية الاقتصادية والاجتماعية في معظم بلدان العالم المتقدم نظرا لما يتمتع به هذا القطاع من مزايا وإمكانيات كبيرة تؤهله للقيام بدوره الريادي في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية، لاسيما وأن بعض الدراسات أكدت على وجود علاقة ايجابية قوية بين أنشطة القطاع الخاص
(3) - رمزي زكي، المرجع السابق، ص ص 431 - 432.
(4) - بونوة شعيب و مولاي لخضر عبد الرزاق، دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية بالدول النامية ـ دراسة حالة الجزائر ـ. مجلة الباحث، العدد 07، 2009 - 2010، ص 137.
(5) - وفاء معاوي، الحكم المحلي كآلية للتنمية المحلية في الجزائر، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، تخصص: سياسات عامة وحكومات مقارنة، جامعة الحاج لخضر باتنة، 2009 - 2010. (مذكرة غير منشورة موجودة على الموقع الالكتروني لنفس الجامعة بدون ترقيم للصفحات) .
(6) - نفس المرجع، نفس الصفحة.
(7) - نفس المرجع.