والتّأثير في هذه المماثلة يعود لطرفين اثنين: الأول هو أصوات الاستعلاء التي تدعو الفتحة لتماثلها في صفة الاستعلاء، والآخر هو الياء والكسرة اللتان تدعوان الفتحة لتماثلهما في ارتفاع مقدّمة اللسان. وهذا معنى تجانس الصّوت والعمل من وجه واحد.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ بعض العرب قد استعانت بحذف أحد الصوائت لدفع التنافر الحاصل بينها، وذلك عند الانتقال من الصائت الأخفّ إلى الأثقل، كقولهم: فخْذ، وكبْد، وعلْم، ورجْل، عضْد، وكرْم، يريدون بها على التوالي: فخِذ، وكبِد، وعلِم، ورجُل، كرُم. ويفسّر سيبويه XE"سيبويه"عملهم هذا بقوله: «وإنّما حملهم على هذا أنّهم كرهوا أن يرفعوا ألسنتهم عن المفتوح إلى المكسور، والمفتوح أخفّ عليهم، فكرهوا أن ينتقلوا من الأخفّ إلى الأثقل» ( [93] ) ، ويظهر أنّ هذا التخفيف والاقتصاد في الجهد العضليّ بطرح هذا الصائت المستثقل أدّى إلى الاقتصاد في عدد المقاطع أيضًا.
ونلاحظ أيضًا أنّ استعمالهم هذا الحذف التخفيفي للصائت قد تعدّى الكلمة إلى ما يشبهها، فقد ذكر ابن جني XE"ابن جني"حروفًا تنزل مع ما بعدها كالجزء منه وهي فاء العطف، وواوه، ولام الابتداء. وهمزة الاستفهام، وأنّ دخول أيّ من هذه الحروف على الضميرين: (هو وهي) يجيز إسكان هاء الضمير فيقال: أهْو؟، أهْي؟، فهْو، فهْي، وهْو، وهْي، لهْو، لهْي، لأنّ التركيب يصير حينئذ موازنًا لعَضُد أو كَتِف اللتين أجيز إسكان وسطهما هما وما كان على صيغتهما من الأسماء والأفعال ( [94] ) . كما نلاحظ هذا الحذف في تتابع حروف العطف (الواو، الفاء، ثم) مع الفعل المضارع المتصل بلام الأمر، في نحو قولهم: وَلْتفعل، فلْتفعل، ثمَّ لْتفعل، للتخلّص من ثقل الخروج من الفتح إلى الكسر.
وللصّوائت دورٌ هام في بعث الانسجام والاقتصاد في الجهد العضليّ باستبعاد الثّقل الذي يتسبّب فيه توالي الصّوائت وأشباه الصّوائت المتخالفة، وهذا ما نجده فيما يسمّى بالإعلال الذي يعمل على التجانس بين أنصاف الصوائت والصوائت التي قبلها، كقولهم: «إذا تحرّكت الواو أو الياء وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفًا» ( [95] ) ، نحو: قال وباع، وغزا ورمى. وكذلك تقلب الألف أو الواو ياءً لمناسبة الكسرة قبلها والتخلص من الثقل، نحو: مصابيح وميزان وميعاد. والياء تقلب واوًا لتناسب الضمّة قبلها أيضًا نحو: موقن وموسر.
ولكن يجب أن نشير في نهاية الحديث عن المماثلة، أنّ الإجراءات التّوازنية التي تقوم بها اللغة تتفاوت من حيث الجهد العضليّ، كما يقول إبراهيم أنيس XE"إبراهيم أنيس":