الصفحة 17 من 31

«وللانسجام الصّوتي درجات بعضها أيسر من بعض: فتوالي الضمّ ثم الكسر ثم الفتح أشقّ من توالي ضمّتين ثم الفتح أو توالي كسرتين ثمّ الفتح، وربّما كان أيسر من هذا وذاك أن تصبح الكلمة مشتملة على ضمّ ثمّ فتحتين» ( [96] ) ، كما أنّ النّاطقين مختلفون في طلب السهولة واليسر باختلاف لهجاتهم وعاداتهم الكلامية، فلا يلتمس النّاطق أيسر السّبل في كلّ حال، بل يقوم ببعض الانسجام أيًا كانت درجته من اليسر.

المخالفة قانون صوتي أو إجراء توازنيّ يسير في عكس اتّجاه قانون المماثلة ويعمل على التخلّص من ثقل المثلين أو الأمثال، وإعادة التّوازن للوحدة اللغوية أثناء مسيرتها في التيار الكلامي.

إنّ المخالفة في منظور الدّرس الصّوتي الحديث هي قانون"يعمد إلى صوتين متماثلين تمامًا في كلمة من الكلمات، فيغيّر أحدهما إلى صوت آخر" ( [97] ) ، أو هي"الظّاهرة الصّوتية التي تتمّ باجتماع صوتين متماثلين أو أكثر، ونزوع أحدهما إلى مخالفة الصّوت الآخر" ( [98] ) ، أو هي"جنوح أحد الصّوتين المتماثلين في الكلمة إلى أن ينقلب إلى صوت مغاير" ( [99] ) ويكون الصوت الحالّ في الغالب أحد الصوائت الطوال أو صوتًا من المجموعة المائعة وهي: اللام والميم والنون والراء ( [100] ) ، والمخالفة تعمل على إعادة التّوازن للسلسلة الكلامية بإزالة الثّقل الذي سبّبه توالي المثلين أو الأمثال، وتعديل آثار المماثلة السلبية بتوفير قدر من الفروق التّمييزية بين الأصوات.

ولعلّ من أقدم الإشارات في التّراث العربيّ لهذه الظاهرة قول الخليل XE"الخليل"بن أحمد الفراهيدي: «وأمّا (مهما) فإنّ أصلها (ماما) ولكن أبدلوا من الألف الأولى هاءً ليختلف اللفظ» ( [101] ) . وقال أيضًا: «وأمّا قولك: (لبّيك) إنما يريدون: قربا ودنوًا، على معنى: إلباب بعد إلباب، أي: قرب بعد قرب. فجعلوا بدله (لبّيك) . ويقال: ألَبَّ الرّجل بمكان كذا وكذا أي أقام. وكان الوجه أن تقول: (لبَّبتُك) ، لأنّهم شبّهوا ذلك باللّبب، فإذا اجتمع في الكلمة حرفان غيَّروا الحرف الأخير، كما قال الله جلّ وعزّ: وقد خاب من دسّاها، والأصل دسّسها، فقالوا: لبّيك قربت وأقمت» ( [102] ) .

إنّ علّة المخالفة هي التخلّص من الثقل النّاتج عن تجاور صوتين من مخرج واحد، لأنّ اللسان يمكث في موضع نطق الصّوت"مدّة أطول من نطقه منفردًا، ليؤدّي ما فيه من تضعيف،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت