والعربية الفصحى تجنّبت هذه التّعقيدات باختيار ثلاثة صوائت فقط اثنان متقابلان أحدهما في مقدّمة اللسان والآخر في أقصاه والثّالث في الوسط، وتضاف لها ثلاثة أخرى إذا أُخذ الطول والقصر في الحسبان،"وعلى الرّغم من هذه القلّة النّسبية في عدد الحركات العربية، فإنّ لهذه الحركات دورًا خطيرًا في المادّة اللغوية على كلّ المستويات. فهي - بالإضافة إلى دورها الصّوتي المتمثّل في كونها لبنات أساسيةً في البناء الصّوتي للغة - تؤدّي وظائف ذات أهمية فائقة على المستوى الصّرفي والمعجمي والدّلالي والنّحوي جميعًا." ( [46] ) ، وكلّ ما عدا هذه الصّوائت لا يدخل إلا ضمن التغيرات التّركيبية التي تفرزها التوازنات الصّوتية داخل التّشكيل، أو التنوّع اللهجي، وقد تؤدّي هذه الانحرافات إلى معرفة لكنة المتكلّم أو بيئته ومدى أصالته في اللغة ولكن لا تصل إلى سوء الفهم والإخلال بالمعنى، ولعلّ هذه القلّة العددية للصّوائت العربية هي التي ساهمت في ثباتها واستقرارها، وضمنت بقاء لغتها محتفظةً بخواصّها الصّوتية الأساسية على مرّ الزمن.
إنّ الأصوات اللغوية في تتابعها وائتلافها في السّلسلة الكلامية ترتبط مع بعضها البعض مكوّنةّ نظامًا بديعًا يسوده الانسجام والتوافق في ظلّ سلسلة من الحركات النّطقية المعقّدة ( [47] ) ، غير أنّ هذا النّظام قد يتصدّع ويختلّ توازنه نتيجة التّضارب القائم بين الأصوات في السّلسلة الكلامية ( [48] ) . وهذا التّضارب والتّعارض الذي يهزّ الأصوات في تجمعاتها مردّه إلى الصّلات التي تربط هذه الأصوات بعضها ببعض في بناها التركيبية؛ وهذا لما تؤدّيه المزاوجة بين بعض الأصوات في السلسلة الكلامية، كتوالي المِثلين والمتقاربين والمتعارضين ( [49] ) حيث تتسبّب في إثقال العملية النطقية، فيتدخّل جهاز النطق على مستوى المخارج والصفات لبعث التوافق والانسجام عن طريق إجراء بعض التّعديلات التي تختلف باختلاف الإشكال الصّوتي الذي ألمّ بالصّيغة، فيُقَرَّب صوتٌ ويُبعد ثان ويُحذَف آخر، وتُلبس صفة وتُخلع أخرى، حتّى تزولَ التّصدّعات الصّوتية ويبعثَ التوافق بين الأصوات في مجاميعها تخفيفًا للنّطق واقتصادًا في الجهد المبذول.
تسمى هذه الظواهر التي تتوسّل إليها اللغة في معالجة أنواع التّصدّعات التي تحلّ بأصوات التّركيب بالظّواهر التّوازنية، لأنّ وظيفتها تمكين اللغة من تجاوز تلك الاختلالات الصّوتية بغية تحقيق التّوازن بين عناصرها ليعمّ التوافق والانسجام بين أصوات التّركيب، وتنتجَ في سهولة ويسر وبأقلّ جهد ممكن.