الصفحة 18 من 31

وهذا الوضع يتطلّب مجهودًا عقليًا أكبر، فمالوا إلى تخفيف هذا الجهد بإبدال أحد الصّوتين، أو الأصوات المضعّفة إلى أحد الأصوات التي خفّ نطقها، من أجل تقليل الجهد العضليّ المبذول في نطق التّضعيف" ( [103] ) ."

وهذا الثّّقل قد صرّح به القدماء بعبارات مثل: الكراهة والاستثقال، نحو قول سيبويه XE"سيبويه": «هذا باب ما شذ ّ فأبدل مكان اللام الياء لكراهية التّضعيف وليس بمطّرد» [104] ، وكذلك قوله في إبدال السّين من التّاء في استخذ من اتَّخذ: «وإنّما فعلوا هذا لأنّ التّضعيف مستثقل في كلامهم» ( [105] ) . كذلك ذكر ابن جني XE"ابن جني"حين تطرّق لتحول أحد المثلين أو الأمثال أنّ السبب يعود لـ: (استثقال تكريره) ( [106] ) . وقال أيضًا: «ومن ذلك استثقالهم المثلين، حتى قلبوا أحدهما في نحو أمليت ــ وأصلها أمللت» ( [107] ) ، ثم صرح بعدها بقوله: «أمّا أمليت فلا إنكار لتخفيفه بإبداله» ( [108] ) .

يقول إبراهيم أنيس XE"إبراهيم أنيس"في تفسير هذا التطور: «والسرّ في هذا أنّ الصّوتين المتماثلين يحتاجان إلى مجهود عضليّ للنّطق بهما في كلمة واحدة. ولتيسير هذا المجهود العضليّ يقلب أحد الصّوتين إلى تلك الأصوات التي لا تستلزم مجهودًا عضليًا، كأصوات اللين وأشباهها» ( [109] ) . ويربط هذا التطور بنظرية السّهولة التي تشير إلى أنّ الإنسان يبدّل مع الأيام بالأصوات الصّعبة في لغته نظائرها السّهلة، ويرجّح أن يكون مقصود القدماء بكراهية التّضعيف هو ما يحتاج إلى مجهود عضليّ.

المخالفة مظهر من مظاهر التّطوّر اللغوي الذي يهدف إلى الاقتصاد في الجهد العضليّ، وهو إحدى نتائج نظرية السّهولة التي نادى بها كثيرٌ من المحدثين، والتي تشير إلى أنّ الإنسان يسعى للتخلص من الأصوات الصّعبة في لغته، والتي يكلّف إنتاجها جهدًا مضنيًا وتعويضها بنظائرها السهلة. وهي بصفة عامّة أقلّ بكثير من المماثلة من حيث استعمال العربية لهما، والمخالفة بين الصّوائت كذلك أقلّ من المخالفة بين الصّوامت، وذلك لأنّ تخالف الصّوائت له أهمية كبيرة في التفريق بين الصّيغ، ولهذا يكون موجودًا ابتداءً. ومن أمثلة المخالفة بين الصّوائت التي تخلصت بها العربية من النّطق بمجموعة من الحركات المتّحدة الطّابع:

إبدال الفتحة كسرة في الكلمات التي يتتابع فيها صائتان للفتح، والأول منهما من النّوع الطّويل، وذلك تيسيرًا للنّطق واقتصادًا في الجهد المبذول، ومن أمثلة هذا النّوع: كسر نون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت