فهرس الكتاب
والحركة (الصّائت) جهد يؤدّى في الكلام كالصامت. ولا شكّ أنّ أداء الكلام بكامل فائدته مع الاختصار في الجهد بحذف بعض الحركات أولى وأخفّ. أو يكون التخفيف بتقصير الصّائت فقط بنسبة معيّنة دون حذفه، وهذا له دوره في إعادة التّوازن والانسياب للسّلسلة الكلامية.
ويُردّ هذا الحذف أو التّقصير إلى ما يتميز به نظام اللغة العربية، إذ لا يقبل الابتداء بساكن ولا الوقوف على متحرّك، كما لا يجيز التقاء السّواكن إلا في ظروف خاصّة، وممّا لا يقبله هذا النّظام أيضًا هو توالي أربعة مقاطع مفتوحة في الكلمة الواحدة، وينفر من توالي أربعة مقاطع متحرّكة فيما هو كالكلمة، وهذا ما أشار إليه سيبويه XE"سيبويه"بأنّه لا تتوالى أربعة أحرف متحرّكة إلاّ ويكون فيها ساكن محذوف ( [121] ) ، ويتابعه المبرّد XE"المبرّد"في ذلك بقوله: «واعلم أنّه لا يكون اسم على أربعة أحرف كلّها متحركة إلاّ وأصله في الكلام غير ذلك فيحذف. وذلك قولهم: عُلَبِط ونحوه، وإنّما أصله عُلابِط. وكذلك هُدَبِد إنّما أصله هُدابِد، وذلك جميع بابه» ( [122] ) . وقد أشار إبراهيم أنيس XE"إبراهيم أنيس"إلى هذا الأمر بقوله: «إنّ اللغة العربية تميل عادة في مقاطعها إلى المقاطع السّاكنة، وهي التي تنتهي بصوت ساكن، ويقل فيها توالي المقاطع المتحرّكة، خصوصًا حين تشتمل على أصوات لين قصيرة» ( [123] ) . كما أكّد هذه الملاحظة أحمد مختار عمر XE"أحمد مختار عمر"إذ وجد من خلال تحليل أوزان اللغة العربية أنّ أكثر المقاطع وقوعًا هو المقطع المتوسّط المغلق (ص ح ص) . ( [124] )
إنّ التّخلّص من توالي هذه المقاطع المفتوحة هو من قبيل المخالفة لكراهية توالي الأمثال أيضًا، ولكنّها تتجاوز الصّوت المفرد إلى المقطع على اختلاف كمّياته.
ومن صور تتابع المقاطع المفتوحة الفعل المسند لضمائر الرّفع المتحركة، والتي تخلّصت منها العربية تخلصًا مطّردًا، وذلك بحذف الصّائت من لام الفعل في مثل قولك: ضَرَبْت، وضَرَبْتُما، وضَرَبْتم، وضَرَبْن، وضَرَبْنا، وضَرَبْتن. ويذهب أكثر القدماء إلى أنّ علّة هذا الحذف هو كراهة توالي أربع صوائت (حركات) ، غير أنّهم نقلوا عن ابن مالك أنّها للفرق بين الفاعل والمفعول في الفعل المسند إلى الضّمير (نا) نحو أكرمْنا، وأكرمَنا، ثمّ طرد الباب على وتيرة واحدة.
كما يوجد حذف آخر، وهو غير لازم، لأنّه يتعلق بحذف العلامة الإعرابية لغير ضرورة، كالذي ورد في قراءة أبي عمرو XE"أبي عمرو: بن العلاء"بن العلاء من إسكان لامات بعض الأفعال والأسماء، مثل: {يأمرْكم} الآية 67 من البقرة، و {يشعرْكم} الآية 109 من