الصفحة 23 من 31

الأنعام، و {إلى بارئْكم} الآية 54 من البقرة، وقد ذهب النّحاة إلى أنّ أبا عمرو كان يختلس ولم يسكّن سكونًا تامًا، واختصّ هذا بالرفع والجرّ دون الفتح لأنّه أخفّ عليهم ( [125] ) ، غير أنّ هذا لا ينفي الاقتصاد في الجهد، كما فيه إشارة إلى أنّ العربية كانت تهمل الإعراب أحيانًا.

ومن صور الحذف كذلك، ما يسببه الوقف من تفريغ الصّامت الأخير من الصّوائت الثّلاثة، والوقوف عليه، لأنّ الواقف في الغالب يطلب الاستراحة، وحذف الصّائت أبلغ في تحصيل الرّاحة ( [126] ) . كما يحذف عند الوقف مع هذه الصّوائت الثّلاثة تنوين المرفوع والمجرور، أمّا تنوين الفتح فيبدل ألفًا مثل: قرأت كتابا، وكذلك يحذف ذلك التمطيط أو الإشباع الذي يلحق الضّمّة والكسرة ويسمى في اصطلاح القرّاء بصلة هاء الضّمير وميم الجمع، ويعود سبب هذا الإشباع إلى تطويل المقطع الأخير إذا كان الذي قبله قصيرًا كراهية الجمع بين مقطعين قصيرين، فقالوا مثلًا: ضربهو زيد، وعندهو رجل، وجاءني غلامهو، ومررت بهو، ومررت بهي، ونزلت بدارهي، وكذلك مع ميم الجمع في نحو قولهم: عليكمو، وأنتمو ذاهبون.

يسمّى هذا العمل في الدّراسات الصّوتية الحديثة بالمخالفة الكمّية، التي تكره اجتماع مقطعين قصيرين فتعمل على تطويل الثاني، وتكره تتابع مقطعين طويلين فتمنع ذلك الإشباع إذا كان الأول من النّوع الطّويل، ومثال ذلك الآيتان: {ونزّلناهُ تنزيلًا} الآية 106 من الإسراء، و {خذوهُ فغلوه} الآية 30 من الحاقة. ويظهر أنّ العرب استعانت بالمخالفة الكمية بين المقاطع تيسيرًا للنّطق واقتصادًا في الجهد المبذول، والذي يبلغ ذروته مع الوقف إذ ينقص عدد المقاطع.

وممّا يمكن حذفه عند الوقف ياءات الزّوائد، وهي في اصطلاح القرّاء"عبارة عن الياء المتطرّفة المحذوفة رسمًا للتّخفيف لفظًا" ( [127] ) ، والتي في الوقف تحذف كاملة، في مثل: الداعْ، والمهتدْ، ونبغْ، وفي الوصل قد تقصّر هذه الياءات إلى الكسرة لتوصل بما بعدها، وقد تحذف كاملة، وهذا الاختلاف يرجع لتنوع القراءات القرآنية.

أمّا التّقصير فله مظاهر كثيرة منها ما يسمّى بالرّوم، وهو من وجوه الوقف ويعرف بأنّه"تضعيف الصّوت بالحركة (الصّائت) حتى يذهب بذلك معظم صوتها، فتسمع لها صوتًا خفيًا يدركه الأعمى بحاسّة سمعه" ( [128] ) ، أو هو:"النّطق ببعض الحركة" ( [129] ) ، وقيل هو:"الإتيان بأقلّ الحركة (الصائت) وقفًا، وقدّره بعضهم بثلثها" ( [130] ) ، ولكنّ الأكيد أنّ الثّابت في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت