تُلوِّحُ ـ في نظره ـ بأن محمَّدًا r هو الذي يتحدث بالقرآن؛ وهناك آيات أخرى تشير إلى أن المتحدث بالقرآن هو جبريل. [38]
... فهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن الله في رأي ?ولش? بريء من نسبة القرآن إليه وما هو إلا كتاب بشري التأليف من صنع محمدٍ أو شخص آخر يدعى جبريل.
وتوصل"ولش"مثلما يبين"محمد أبو ليلة"من خلال دراسته التحليلية للآيات القرآنية إلى فكرة عن الرِّسالة السماوية مفادها أن الرسالة:"تُبَلَّغ عن طريق وسطاء (Intermediaries) و الرسالة المحمدية متصلة بطريقة ما بالكتاب"(. [39] ؛ وهي فكرة توصل إليها من خلال فهمه للآيتين: قال تعالى: «وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فيُوحِي بِإذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيم ·وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري ما الكتابُ ولا الإيمانُ ولكنْ جعلنَهُ نورًا نهدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراطٍ مستقيمٍ» [الشورى: 51 ـ 52] .
هاتان الآيتان تبينان الأنواع الثلاثة التي يرد بها الوحي من الله تعالى، فهو إما أن يكون: «وحيا يلقى في النفس مباشرة فتعرف أنه من الله، أو من وراء حجاب كما كلم الله موسى u وحين طلب الرؤية لم يُجَب إليها ... أو يرسل رسولا وهو الملك فيوحي بإذنه ما يشاء بالطرق التي وردت عن رسول الله r.» . [40] . ويعتبر ولش أن تعدد مظاهر الوحي أدى بالضرورة لتعدد المتحدثين بالقرآن وعليه تباينت سوره وآياته بين هي:
"_آيات تخلو تماما من ذكر أي مصدر للقرآن؛ مع أنها فيما يبدو متقدمة النزول."
_وأخرى تخلو كلية كذلك حتى من مجرد الإشارة إلى أن كلام القرآن صادر عن الله.
_آيات يلوح منها أن محمدا هو المتحدث بالقرآن.
_ آيات مكية تشير بضمير الغائب لربِّ محمد.
_آيات من أواخر ما نزل بمكّة وأوائل ما نزل بالمدينة تقطع بأن الله نفسه هو الذي يقرأ الآيات والقرآن والكتاب؛ وفي الوقت نفسه توجد آيات تَنُصُّ على أنَّ الله لا يوحي إلى بشرٍ دون وسيط.
_وجبريل u الوسيط مثلما تصوره الآية سبع وتسعون من سورة البقرة ( «مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِك» ) وهو من الملائكة كيف له أن يحمل الوحي فيما نجد آيات تنص على أن الملائكة
ليسوا من حملته نحو الآيتين 17 و 64 من سورة مريم مما يعني أن جبريل u لم يكن له دور على الإطلاق في نقل الوحي إلى النبي r [41] .
فالخلاصة التي انتهى إليها ولش في تصنيفه للآيات صحيحة بشكل عام حسبما يقر بذلك أبو ليلة لكنه ينكر عليه ـ أي على ولش ـ سوء مقصده وتسييره لهذه النتائج في غير مسارها؛ إذ وجود آيات تخلو تماما من ذكر مصدر للقرآن أو تشير إليه يسوقها ولش دليلا على عدم ربانية الكتاب، ثم انكاره لأن يكون جبريل وسيطا بين الله ومحمد في نقل الوحي، وزعمه بأن القرآن من كلام محمد أو الملائكة على اعتبار الآيات التي وردت بلسانهم نحو قوله تعالى: «إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد» [فصلت:6] أو قوله تعالى: «ولمَّا جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا إمرأتك كانت من الغابرين» [العنكبوت 33] .
لكنّ الأصح والمستيقن منه أنهم يتحدثون في القرآن والله هو الذي يتكلّم عنهم بلسانهم فيه (في القرآن) مثلما تكلم على لسان موسى وعيسى وزكريا ...
ويستغرب أبو ليلة موقف ولش ثم يدعوه لأن يتأمل كلَّ القرآن مادام قد تصفَّح بعضه ويبين له الغاية من أن نزل مفرقا من خلال قوله تعالى: «وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ على مُكَثٍ ونَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا» [الإسراء 106] ؛ وإنما نزل بالتواتر ليحفظ في الصدور؛ وقوله جل وعلا: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم» [التكوير 19] ـالذي يسوقه ولش في