الصفحة 9 من 12

إثبات أنّما القرآن كلام محمّدٍ ـويستطرد في تبيان الفرق بين القول والكلام وكيف يستحيل نسبة كلام الله الذي هو القرآن لغيره إن لمحمد أو جبريل أو أي أحد من خلقه فلا يصح إلا أن ينسب إليهم القول لا الكلام. [42] .

وإذا أعدنا النظر لرأي ولش، وجدناه يلمح لقضية لطالما أثارها المستشرقون وركزوا عليها هي القرآن المكِّي و القرآن المدني؛ إذ يشكِّك في صحة وجود الأول وجلي ذلك من خلال اهتمامه بتحديد الآيات التي تشير إلى الله، فإن كانت المدنية منها تشير إلى الله بصريح اللفظ، فإن المكية والسابقة في النزول تخلوا من تلك الإشارة، وإن وُجِدت كانت بضمير الغائب، من مثل قوله تعالى: «إياك نعبد وإياك نستعين» [الفاتحة 5] فهذا-حسب تفسير ولش- من قبيل كلام محمد لكن تفسير الآية غير الذي انتهى تفسير ولش إليه إذ يجمع المفسرون المسلمون على"أن طلب العبادة و الاستعانة لا يكون من الله لنفسه ولكن معناه قولوا إياك نعبد وخلو الصورة من الأمر فيه تقرب من الله تعالى لعباده وتقريب لهم"(. [43] .

وإن ولش حاول الاقتراب إلى الذات المحمدية من خلال النص القرآني، فقد حاول غيره الاقتراب منه uبأسلوب حديث قديم الأصول، وهو اعتماد علم النفس سبيلا في تحليل شخصيته r بالرجوع إلى ما نقلته السيرة عن حياته u قبل البعثة وأحواله بعدها، وتفسير ما صاحبه u من مظاهر نزول الوحي؛ على اعتبار أن للعوامل الخارجية تأثير بالغ في إنتاج الأعمال الإبداعية.

إذ النص القرآني عملٌ إبداعيٌّ مثلما صرّح بذلك جب في كتابه (المذهب المحمدي) حيث يصف النبي r بالمبدع: «إن محمّدا ككل شخصية مبدعة قد تأثر بضرورات الظروف الخارجية المحيطة به من جهة، ثم هو من جهة أخرى شق طريقا جديدا بين الأفكار و العقائد السائدة في زمانه، والدائرة في المكان الذي نشأ فيه ... وانطباع هذا الدور الممتاز لمكة يمكن أن نقف على أثره واضحا في كل أدوار حياة محمد» (. [44] ؛ فدور مكة يتبدى في أنها كانت قبلة للحجاج و التجار، وهكذا يكون الاختلاط بأناس من مختلف الأمصار، لكنّ النبي r"اعتزل هذا المجتمع في غمرة شبابه، وكان كثير الاختلاء بغار حراء لاسيما بعد زواجه من السيدة خديجة ـ رضي الله عنها- هذه العزلة التي كانت نتيجتها اصطفاء الله له لحمل رسالته وتبليغ روحه(القرآن) ". [45] والمستشرقون اعتبروا هذه العزلة عاملا أساسا في انتاج القرآن وصنفوها ضمن التأثيرات النفسية مثلما يقول بذلك درمنجهام الذي حاول استحضار أفكار الرسول الأكرم وهو في الغار يتأمل: «حقا إن في السماء لشارات للمدركين، وفي العالم غيب ـ بل العالم غيب كله ـ لكن ألا يكفي أن يفتح الإنسان عينه ليرى، وأن يرهف أذنه ليسمع؟ ليرى الحق، وليسمع الكلم الخالد؟» . [46] )؛ ففي رأي هذا المستشرق أن مثل حديث النفس هذا كان يحدث به المصطفى نفسه وحين اشتد عليه توهّم أنه يوحى إليه، فهو يقول عن بداية الوحي: « ... وهناك (في الغار) كان يقلب في صحف ذهنه كل ما وعى ... وهو لم يطمع في أن يجد في قصص الأحبار وكتب الرهبان الحق الذي ينشده، بل في هذا الكون المحيط ... فلما كانت سنة 610 م كانت الحالة النفسية التي يعانيها محمد على أشدها ... ووجد في غار حراء مسرة ( ... ) وكأنه يسمع الأصوات تخرج من خلال أحجار الصحراء تناديه مؤمنة برسالته ... وفيما هو نائم بالغار جاءه ملك فقال له اقرأ قال ما أنا بقارئ وكان هذا أول الوحي، وأول النبوة» . [47] .

وإن درمنجهام وصف أول الوحي بأنه إلهام ووهم تهيأ له وهو نائم، فُسِّرت الحالات التي كانت تعتريه بأنها مرض نفسي فهو من قبيل الصرع أو الهرع (الهستيريا) أو الاضطراب العصبي، مثلما يصفه جوستاف لوبون حيث يقول «ويجب عدُّ محمّد من فصيلة المتهوّسين من النّاحية العلمية كما هو واضح، وذلك كأكثر مؤسسي الدّيانات. ولا كبير أهمّية لذلك فأولوا الهوس وحدهم، لا ذووا المزاج البارد من المفكرين هم الّذين يُنشِئون الدّيانات، ويقودون النّاس» (. [48] فلوبون يصف النبي بالهوس ويعد ذلك التفسير العلمي الصحيح لحالته-عليه الصلاة والسلام-قيما شهد له-عليه الصلاة والسلام-بزينة العقل ورجاحته؛ ويعد آخرون القرآن نتاج اللاوعي للنبي يحقق فيه رغباته التي طالما كتمها خلال عزلته وكان لحالته الاجتماعية تأثيرا هي الأخرى على كتابة هذا القرآن ويستدلون على ذلك ببعض الآيات التي توافق رغباته -عليه الصلاة والسلام- من مثل تحويل القبلة أو الآية التي ورد أمر الله له بأن يتزوج السيدة زينب، على الرغم من أن الأمر أحدث استغرابا شديدا بين الناس، أو سورة الضحى التي نزلت تصف حاله، وتشد من أزره.

فيما يصفه آخرون بالمرض العصبي أمثال نولدكه يقول: «إنَّ سبب الوحي النازل على محمد، والدعوة التي قام بها، هو ما كان ينتابه من داء الصرع» (. [49]

والتعريف الطبي له: الصرع هو عبارة عن نشاط كهربائي، وتهيج في بعض خلايا المخ يحصل بين الحين و الأخر، وهذا الصرع يعرف عن طريق التخطيط الكهربائي للمخ أو رسم الدماغ بالكمبيوتر لوجود بؤر سرطانية في المخ في الغالب، أو عبراستخدام الرنين المغناطيسي أو فحص النخاع الشوكي للمريض ويمكن معالجته عند

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت