الأول: أنّ السلعة لازمة للآمر باثني عشر إلى أجل، لأن المأمور كان ضامنا لها لو تلفت في يده قبل أن يشتريها منه الآمر، ويستحب له أن يتورع فلا يأخذ من الآمر إلا ما نقد في ثمنها.
والثاني: أن البيع الثاني يفسخ، وترد السلعة إلى المأمور إن كانت قائمة، فإن فاتت ردت إلى قيمتها معجلة كما يفعل في البيع الحرام لأنه باعه إياها قبل أن يجب له فيدخله بيع ما ليس عندك» (30 - «البيان والتحصيل» لابن رشد:(7/ 87 ) )
فمن كلام ابن رشد -رحمه الله- يتضح أنّ الأصل في هذه المعاملة عند المالكية: التحريم وأنه من بيوع العينة، إلاّ أنهم جوّزوها وألزموا بها بعد وقوعها على أحد القولين، وفرق بين تصحيح المعاملة اضطرارا بعد الوقوع وبين إنشائها ابتداء.
الناحية الرابعة: أنّ المرابحة البنكية بيعتان في بيعة: من حيث إنهم - المجيزون للمرابحة البنكية- يجعلون المواعدة ملزمة فصارت عندهم عقدا، وهذه هي البيعة الأولى بين المصرف وعميله المشتري، والثانية - على السلعة عينها- بين المصرف والبائع، وحينئذ يشملها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ» (31 - أخرجه أحمد:(2/ 432) ، والترمذي (1231) ، كتاب «البيوع» ، باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة والنسائي (4632) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (5/ 458) : «هذا الحديث مسند متصل عن النبي صلى الله عليه وسلم عن حديث بن عمر و حديث بن مسعود وحديث أبي هريرة وكلها صحاح من نقل العدول وقد تلقاها أهل العلم بالقبول» ، والحديث صحَّحه ابن الملقن في «البدر المنير» : (6/ 496) ، وحسّنه الألباني في «الإرواء» : (5/ 149 ) )
وقد روى مالك في «الموطإ» أنه بلغه: «أن رجلا قال لرجل ابتع لي هذا البعير بنقد حتى ابتاعه منك إلى أجل فسئل عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه ونهى عنه»
قال الباجي معلّقا: «ولا يمتنع أن يوصف بذلك من جهة أنه انعقد بينهما أن المبتاع للبعير بالنقد إنما يشتريه على أنه قد لزم مبتاعه بأجل بأكثر من ذلك الثمن، فصار قد انعقد بينهما عقد بيع تضمّن بيعتين: إحداهما: الأولى وهي النقد، والثانية: مؤجلة، وفيها مع ذلك: بيع ما ليس عنده لأن المبتاع بالنقد قد باع من المبتاع بالأجل البعير قبل أن يملكه، وفيها سلف بزيادة: لأنه يباع له البعير بعشرة على أن يبيعه منه بعشرين إلى أجل، يتضمن ذلك أنه سلفه عشرة في عشرين إلى أجل، وهذه كلها معان تمنع جواز البيع، والعينة فيها أظهر من سائرها» (32 - «المنتقى» للباجي:(5/ 38) ، وانظر: «شرح الزرقاني» : (3/ 311 ) )