المؤمن في جميع الأوقات, لأن ذكر المؤمن للموت وقت الضيق والمرض والحزن والهم والخوف والمصائب يخفف من تأثير ذلك ويهون من مصائب الدٌنْيَا، إذ لا مصيبة إلا والْمَوْت أعظم منها وهو ذائقه، ومن عرف الْمَوْت هانت عليه مصائب الدٌنْيَا وهمومها. كما أن المؤمن إذا تذكر الْمَوْت و ما أعده الله له من نعيم هان عليه كل شيء ورضا بقضاء الله عز وجل وقدره.
وذكر الْمَوْت وقت الرخاء والسعة والفرح ووقت الحصول على المال الوفير والوصول إلى المناصب الرفيعة وإقبال الدٌنْيَا يخفف من غلو الإنسان فلا يركن إلى هذه الدٌنْيَا ولا يغتر بها ولا ينسى الدار الآخرة.
فالضيق قد يؤدي إلى اليأس، والسعة قد تؤدي إلى الغفلة، وذكرالْمَوْت ينقذ المسلم من اليأس كما ينقذه أيضًا من الغفلة.
ولذلك، فقد كان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء كل ليلة ليتذاكرون الْمَوْت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة.
(6) ... أن ذكر الْمَوْت لا يقتصر على سن دون آخر فالْمَوْت يأتى في أى عمر: الْمَوْت يأتى في العشرينات, يأتى في الثلاثينات, يأتى في الأربعينات, يأتى في الخمسينات, يأتى في سن أقل من كل ذلك. يأتى في سن أكبر من كل ذلك, فالقاعدة في سِن الْمَوْت: أنه لا قاعدة. ومن ثم على الشاب الصغير أن يستعد للموت وعلى الشيخ الكبير أن يكون أكثر استعدادًا للموت.
(7) ... من الأمور التى تُعين المسلم على ذكر الْمَوْت زيارة القبور وعيادة المرضى وتذكر من أخذهم الْمَوْت من الآباء والأمهات والأجداد والأزواج والأبناء والإخوة والأخوات والزملاء والجيران والرؤساء وغيرهم. وتذكر كيف كانوا يعيشون في رغد أو ضيق؟ وكيف كانوا يهتمون بثيابهم وطعامهم؟ وكيف كانوا يسعون إلى المناصب؟ وكيف كانت آمالهم ثم أين هم الآن وكيف حالهم؟
ويُروي أن رجلًا دخل على عمر بن عبد العزيز t فرآه قد تغير لونه من كثرة العبادة والخوف فجعل يتعجب من تغير لونه. فقال له عمر يا ابن أخي وما يعجبك مني فكيف لو رأيتني بعد دخول قبري بثلاث ليالٍ وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان وخرج الصديد والدود من المناخر والفم وانتفخ البطن فعلى الصدر ....""
ويقول أبو الدرداء:"إذا ذكرت الْمَوْتى فعد نفسك كأحدهم".
ويقول ابن الجوزي:"عجبت من عاقلٍ يرى استيلاء الْمَوْت على أقرانه وجيرانه كيف يطيب عيشه".
وروى أن الحسن البصري عادَ عليلًا فوافقه في سكرات الْمَوْت ورأى تقلبه وشدة ما نزل به فلما رجع إلى داره قدموا له طعامًا فقال عليكم بطعامكم وشرابكم فإني رأيت مصرعًا لابد لي منه ولا أزال أعمل حتى ألقاه.
ومن الأمور التى تعين على ذكر الْمَوْت أيضًا عدم الإنشغال بالدٌنْيَا وتفريغ القلب لذكر الله، فالحق تبارك وتعالى يقول:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ" (ق:37) ، فالقلب اذا امتلأ بشئ لم يكن لشئ آخر مكان فيه.
ومما يعين على ذكر الْمَوْت أيضًا الصحبة الصالحة، وفى ذلك يقول أحد العلماء:"عليك بصحبة من تذكرك الله عز وجل رؤيته، وتقع هيبته على باطنك ويزيد في عملك منطقه ويزهدك في الدٌنْيَا عمله، ولا تعصي الله ما دمت في قربه، يعظك بلسان فعله ولا يعظك بلسان قوله".