(8) ... أن أثر ذكر الْمَوْت يظهر في نقل اهتمام المسلم من الدٌنْيَا إلى الآخرة, وفى التوبة الصادقة، وفى الحرص على العبادات، وفى قراءة القرآن، وفى الوصية العادلة، وفى طلب العلم النافع، وفى العمل الصالح، وفى تحري الدخل المشروع، وفى ضبط إنفاق المال، وفى الدعوة إلى الله، وفى خدمة الخلق, وفى ضبط المعاملات وفقًا لمنهج الله, وفى ضبط الجوارح, وفى تربية الأولاد التربية الصالحة. فذكر الْمَوْت لا قيمة له إن لم يعمل له المسلم، ذِكر الْمَوْت لا قيمة له إن لم يستعد له المسلم.
وما لم ينعكس ذكر الْمَوْت على جميع عبادات المسلم ومعاملاته، ما لم ينعكس ذكر الْمَوْت على جميع تصرفات المسلم وأقواله، فهو ذكر لا قيمة له. إذ لا فائدة من الذكر باللسان إن لم يُخالطه إقبال بالقلب"، فالحق تبارك وتعالى يقول:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ" (ق:37) ."
والقرآن الكريم يربط دائمًا بين الإيمان والعمل الصالح، حيث يقول الحق تبارك وتعالى:"إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ" (التين:6) .
وعلى ذلك، فالفرد الذي لا يُصلى, ولا يزكى, ولا يصوم, بل وقد يسرق, وينصب, ويغتصب, ويغش, ويظلم, ويغتاب, ثم يدعى الإيمان بالْمَوْت وما بعده, فإن هذا الإيمان لا يخرج عن كونه إيمانًا نظريًا، بل إن أفعال الفرد في هذه الحالة لا تخرج عن كونها تكذيبًا عمليًا لما بعد الْمَوْت, وأكبر دليل على ذلك أنه ما من مسلم في العالم من شرقه إلى غربه, ومن شماله إلى جنوبه, إلا وهو يعلم يقينًا أن الكذب حرام, وأن السرقة حرام, وأن النصب حرام, وأن الاحتيال حرام, وأن التعامل بالربا حرام, وأن الغيبة والنميمة حرام, وأن، وأن، وأن، وعلى الرغم من ذلك فإن العالم الإسلامى يعج بهذه المعاصى آناء الليل وأطراف النهار. فالخلل الحقيقى في الفجوة والهوة العميقة بين الإيمان النظري والإيمان العملى أو التطبيق العملى للإيمان.
يقول أحد العلماء:"اعلم أن خطرالْمَوْت هائل عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه، وقلة ذكرهم له، والذي يذكره قلبه مشغول بالدٌنْيَا وشهواتها ولا يفيد ذكر الْمَوْت باللسان فقط".
ويقول الدقاق:"من أكثر من ذكر الْمَوْت أُكرِم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة, وقناعة القلب, ونشاط العبادة, ومن نسي الْمَوْت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة, وترك الرضى بالكفاف, والتكاسل في العبادة".
وقال آخر:"من ذكر الْمَوْت هانت عليه مصائب الدٌنْيَا".
وقيل لآخر:"كيف أصبحت؟ فبكى، وقال:"أصبحت في غفلة عظيمة عن الْمَوْت مع ذنوب كثيرة قد أحاطت بي، وأجل يسرع كل يوم في عمري"."
وعلى ذلك، فإن كثرة ذكر الْمَوْت تردع عن المعاصي وتلين القلب القاسي، وتذهب الفرح بالدٌنْيَا وزينتها وزخارفها ولذاتها، وتُرضى من الدٌنْيَا باليسير، وتحث على الجد والاجتهاد في الطاعات، ويُهون على الفرد مصائب الدٌنْيَا.
(9) ... أن الاستعداد للموت لا يعني التشاؤم، ولا يعني أن يترك المسلم عمله أو صنعته أو حرفته أو تجارته، ولا يعنى الانسحاب من الدٌنْيَا والتقوقع والانزواء والاستسلام. فالقرآن الكريم يحثنا على العمل حتى يوم الجمعة ولكن بعد الفراغ من الصلاة:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن"