وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ .. [1] ، ثم إنه لصحة تصرفات الإنسان البالغ الراشد, أشار القرآن الكريم إلى قيد آخر وهو الحرية, وقد خصصنا المطلب التالي لبيان ذلك.
قيد القرآن الكريم تصرفات الإنسان البالغ العاقل بالحرية، ذلك أن العبد المملوك كما صوره القرآن الكريم لا يقدر على شيء إذ قال سبحانه وتعالى: {ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [2] . فالعبد المملوّك لا يملك شيئًا لنفسه ولا يُملّك شيئًا لغيره, فلا تقع منه التصرفات المالية ولا تصدر عنه, فضلًا عن صحتها, حتى فيما خصه الله به من سهم الصدقات الثابت له في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [3] , وذلك يكون في فك الرقاب بما يعتقهم من الرق, والعتق إبطال ملِك وليس تمليك فلا يملك العبد منه شيئًا ولا يتصرف فيه, وإنما يدفع إلى سيده ليعتقه [4] , كما أنه لم يرد أمر بإعطاء المال للعبد إلا في حالة المكاتبة إذا علم فيه خيرًا, إذ قال تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
(1) . سورة الأنعام, الآية: (152) .
(2) . سورة النحل, الآية: (75) .
(3) . سورة التوبة, الآية: (60)
(4) . راجع الجامع لأحكام القرآن, للقرطبي, , ج 8, ص 183, وتفسير البغوي, المسمى معالم التنزيل, للبغوي, الحسين بن مسعود الفراء, ج 2, ص 361. وفتح القدير للشوكاني, ج 2, ص 373. والبحر المحيط لابن حيان, ج 5, ص 60, والدر المنثور, للسيوطي, ج 3, ص 451. والتفسير الكبير, للفخر الرازي, ج 15, ص 112.