تتعدد الدراسات السابقة في موضوع البحث, ومنها الدراسات المثبتة في مصادر ومراجع البحث, والتي تناولت دراسة أسباب الأزمة المالية العالمية المعاصرة, كما قدمت مقترحات للوقاية والعلاج. وتتمثل الإضافة المرجوة لهذا البحث في مدخل متميز من خلال جمع شتات أسباب الأزمة المالية العالمية المعاصرة, ورد هذه الأسباب إلى أصولها الفلسفية, وتبيين أهمية العدل بالحق بما يتطلبه من دور للدولة وأنظمة لعدالة التوزيع, وضوابط للسلوك, من شأن إعمالها معالجة مثل هذه الأزمات, والوقاية منها بإذن الله.
يفترض البحث فرضيتين: الأولى, أنه يقبع وراء الأسباب الظاهرية للأزمة المالية العالمية المعاصرة أسباب مباشرة وغير مباشرة ثم أسباب جذرية. والثانية, أنه يمكن رد هذه الأسباب إلى سلوك الأفراد والمجتمع والدولة سلوكا مخلا بالعدل بالحق, وأن معالجة هذه الأسباب, والوقاية منها يكمن في تحقيق العدل. فهذا العدل سواءً في المعاملات أو التوزيع, من شأنه ارتباط المعاملات بالاقتصاد الحقيقي, وهو المعول عليه في الوفاء بالحاجات, كما أن ذلك إذا تصاحب مع عدالة في التوزيع فإنه يؤمن الاقتصاد ضد التقلبات ويسهم في تحقيق الاستقرار.
يستخدم البحث لدراسة هاتين الفرضيتين منهجا تجريديا مقارنا بشقيه الاستقراء والاستنباط.
في ضوء فرضيتي البحث ومنهجه , يمكن تقسيم خطة البحث إلى تمهيد, ومبحثين:
المبحث الأول: رؤى لأهم أسباب الأزمة المالية العالمية الراهنة, ومقترحات لمعالجتها.
المبحث الثاني: نظرة أخرى لأسباب الأزمة المالية العالمية المعاصرة ومعالجتها والوقاية منها.
يتناول البحث دراسة موقع العدل من الأزمات المالية العالمية الأمر الذي يتطلب تحديدا دقيقا لمفهوم العدل, ولذا نقدم في هذا التمهيد [1] تعريفا للعدل بالحق في الاقتصاد الإسلامي فنقول إنه تعبير نطرحه للاصطلاح أخذناه من القرآن الكريم, من قول الله تعالى في سورة الأعراف: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) } الأعراف: 181. فرغم أن للعدل مفهوما واحدا إلا أنه في كثير من الأحوال اعترته آفتان: أهواء وقصور في العلم, بما جعله يبتعد عن مفهومه الأصيل. وإضافة الحق إلى العدل في القرآن الكريم يحصنه من هاتين الآفتين, ويجعله العدل
(1) راجع ذلك تفصيلا لدى: أبو الفتوح, نجاح عبد العليم,"الاقتصاد الإسلامي, النظام والنظرية", عالم الكتب الحديث, إربد, الأردن, 2011 م.