فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 37

* في ابتداء فرض الصيام كان إذا أفطر أحدهم إِنَّما يحل له الأكْل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء فقط، إلا إذا نام قبل ذلك، فإذا نام أو صلى العشاء فقدْ بدأ صومه إلى الليلة التالية، فوجدوا في ذلك مشقة كبيرة، لان الرجل لو كان صائمًا فنام المغرب قبل أن يفطر فقد حُرِّم عليه الأكل والشرب والجماع إلى الليلة التالية كصيام أهل الكتاب، وقد وقع ذلك لأحد الصحابة حيث كاد أن يهلك من الجوع والعطش، ووقع لآخر أن أتى امرأته بعد أن نامت (وذلك لا يحل) حيث قال في نفْسه إِنَّها لم تَنَمْ ولكنها تتعلل، فغلبته نَفْسُه وشَهْوَتُه على عقله ودينه، مُبَرِّرةً ومُسَوَّلة ومُطَوِّعة له ذلك بأن الزوجة لم تنم، فكأن النفس اجتهدت في إخفاء المخالفة على العقل والوازع الديني حتى يوافقها صاحبها ويفعل ما تهواه وتشتهيه، وهذا هو اختيان النفس، في قوله تعالى: (( عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ) )البقرة لأن لفظ الخيانة لا يستعمل إلا في المخالفة التي تخفى على المَخُون، والنفس هنا هي الخائنة، وصاحبها هو المخون، والمعني: تختانكم أنفسُكم، وعبارة القرآن أبلغ، وهي التي يستعملها الناس في حياتهم، كالمريض الذي يتناول الممنوعات عليه ويجتهد في ا لتبرير والتهوين وتنويم ضميره، فيقول له الطبيب: أتخون نفْسَك ـ أو: أَتَغُشُّ نفسك، أو: أتضحك على نفسِك، وهكذا. والمراد هنا أنَّ الأمر قد شق عليهم حتى وقع بعضُهم في اختيان النفس، لكن الصحابي الجليل ذهب بعد ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائلًا: يا رسول الله: أعتذر إلى الله من نفسي هذه الخائنة .. وحكى ما حدث منه، وجاء آخرون أيضًا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكروا مثل ذلك من الأكل أو الشرب أو الجماع، وكلهم يريد الاعتذار والتوبة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، لا اعتراضًا على شدة الحكم، لأن حق الرب الملك الإله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت