أجيب بأنه للاحتراز عن بيت خثعم الذي سموه الكعبة اليمانية، فهو هنا للتوضيح لدفع الإلباس بغيره. وأجيب أيضاً بأنه جيء به لمجرد المدح، إذ الكعبة عند العرب لا تنصرف إلاّ للبيت الحرام على حد
{الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إذ من المعلوم أن الله هو رب العالمين.
«إن قلت» : إن البيت جامد والمدح لا يكون إلا بمشتق؟
أجيب بأنه وصف بمشتق وهو الحرام، والكعبة لغة بيت مربع، فسميت الكعبة بذلك.
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}
يعني من أهل الكتاب، والمعنى أن الله كلفنا بقتال الكفار حتى يسلموا أو يؤيدوا الجزية، فإذا أدوها كففنا أنفسنا عنهم ولا يضرنا كفرهم، وقيل مستأنفة نزلت في العصاة، فالمعنى عليك بحفظ نفسك ولا تتعرض لغيرك، فلا يضرك ضلال من ضل.
«إن قلت» : إن هذا يوهم أن المدار على هدى الإنسان في نفسه، ولا يلزمه الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، وهو خلاف النصوص الشرعية من الآيات والأحاديث النبوية؟
وأجيب: يحمل ذلك على من عجز عن ذلك، وإلى هذين القولين أشار المفسر فيما يأتي بقوله قيل المراد الخ، وفي الحقيقة المراد ما هو أعم، فإذا امتثل العبد ما أمره الله به وترك ما نهاه عنه فلا يضره مخالفة من خالف.
قوله: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}
«إن قلت» : إن مدخول إن لا بد من كونه مستقبلاً، والقول والعلم متعلقهما ماض؟
أجيب: بأن الكلام على التقدير والمعنى أن يثبت أني قلته فقد تبين وظهر أن علمك متعلق به، لأنه يستحيل وقوع شيء لم يتعلق علم الله به، فحيث لم يتعلق علمه بما قال فلم يحصل ذلك منه، لأنه لا يقع شيء في ملكه إلا وهو عالم به.
قوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} ليست علم هنا عرفانية، لأن المعرفة تستدعي سبق الجهل فهي هنا على بابها، ومفعولها الثاني محذوف تقديره منطوياً وثابتاً، والنفس بمعنى الذات، والمعنى تعلم حقيقة ذاتي وما انطوت عليه.
قوله: {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} أي لا أعلم حقيقة ذاتك وما احتوت عليه من الصفات، لأن من جهل ما قام بالذات فقد جهل الذات، فلا يعلم الله إلا الله، واعلم أنهم اختلفوا في إطلاق النفس على الله تعالى، فقيل لا يجوز إطلاقها في غير المشاكلة، قال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} .