وقد ذكر النحويون وجوها من الإِعراب لتخريج قراءة الرفع التي قرأها الرفع التي قرأها الأكثرون، ولعل خير هذه الوجوه ما ذكره الشيخ الجمل في قوله: وقوله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ} أي: إيمانا حقا لا نفاقا. وخبر إن محذوف تقديره: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. دل عليه المذكور، وقوله: {والذين هَادُواْ} مبتدأ. فالواو لعطف الجمل أو للاستئناف وقوله {والصابئون والنصارى} عطف على هذا المبتدأ. وقوله {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} . خبر عن هذه المبتدآت الثلاثة. وقوله: {مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر} بدل من كل منها بدل بعض من كل فهو مخصص. فكأنه قال: الذين آمنوا من اليهود والنصارى ومن الصابئين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالأخبار عن اليهود ومن بعدهم بما ذكر مشروط بالإِيمان لا مطلقا.
وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر فقال: قوله: (والصابئون) رفع على الابتداء وخبره محذوف. والنية به التأخير عما في حيز {إن} من اسمها وخبرها. كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا. والصابئون كذلك.
ثم قال:
فإن قلت ما التأخير والتقديم إلا لفائدة فما فائدة هذا التقديم؟
قلت: فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإِيمان والعمل الصالح فما الظن بغيرهم؟
وذلك لأن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبأوا عن الأديان كلها أي: خرجوا.
والخلاصة، أن الآية الكريمة مسوقة للترغيب في الإِيمان والعمل الصالح ببيان أن كل من آمن بالله واليوم الآخر، واتبع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم واستمر على هذا الإِيمان وهذا الاتباع إلى أن فارق هذه الحياة، فإن الله تعالى يرضى عنه ويثيبه ثوابا حسنا، وبتجاوز عما فرط منه من ذنوب، لأن الإِيمان الصادق يجب ما قبله، من عقائد زائفة، وأعمال باطلة وأقوال فاسدة.
قوله: {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ}
بيان لموقفهم الذميم من الميثاق الذي أخذ عليهم ومن الرسل الكرام الذين أرسلهم الله لهدايتهم وسعادتهم.