ورحم الله صاحب الكشاف قد حكى هذه الأقوال وغيرها بأسلوبه البليغ فقال:
«فإن قلت» : ما معنى سؤالهم؟
قلت: توبيخ قومهم. كما كان سؤال الموءودة توبيخا للوائد.
«فإن قلت» : كيف يقولون:"لا علم لنا وقد عملوا بما أجيبوا؟"
قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم - أي: بما ابتلوا به منهم - ، وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهارا للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة، وأفت في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم، إذا اجتمع توبيخ الله لهم وتشكى أنبيائه منهم. ومثاله: أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة، قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه. فجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجي؟
-وهو عالم بما فعل به - يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي، تفويضاً للأمر إلى علم سلطانه واتكالا عليه، وإظهارا للكشاية وتعظيما لما حل به منه - ولله المثل الأعلى - وقيل: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أنفسهم.
وقيل معناه: علمنا ساقط مع علمك ومغمور، لأنك علام الغيوب، ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي فيها إجابة الأمم لرسلهم.
وقيل معناه:"لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة، وكيف يخفي عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجه موبخين".
(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ...(110)
قال الفخر الرازي ما ملخصه:
«فإن قيل» : إنه تعالى قال في أول الآية {اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعلى وَالِدَتِكَ} ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى، وليس لأمه تعلق بشيء منها؟
قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال تعالى {وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} فجعلهما معاً آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر.
وإنما ذكر - سبحانه قوله {وَإِذْ أَوْحَيْتُ} في معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإِنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم، من أعظم نعم الله على الإِنسان.