إن شريعة الله للناس طرف من ناموسه في خلق الكون الذي يسير بأوامره سامعاً مطيعاً، وإن كتابه المنزل بيان للحق الذي يجب أن يسير عليه البشر.
وإن العدل الذي يطالب به الخلفاء في الأرض، والحكام بين الناس، إنما هو طرف من الحق الكلي، لا يستقيم أمر الناس إلا حين يتناسق مع بقية الأطراف بالطاعة والاستقامة.
وإن الانحراف عن شريعة الله إنما هو انحراف عن الحق الذي قامت عليه وبه السموات والأرض، وهو أمر عظيم وشر كبير، واصطدام مع القوى الكونية الهائلة، ولا بدَّ أن يتحطم في النهاية ويزهق، وينال أهله عقوبة انحرافهم، وخيانتهم للأمانة، وتضييع أمر الخلافة: يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) [ص: 26] .
فيما يمكن أن يصمد ظالم باغ منحرف عن سنة الله أمام قوة الله، وكيف يصمد بقوته الهزيلة الضئيلة لتلك القوى الساحقة الهائلة، ولعجلة الكون الجبارة الطاحنة التي خلقها الله سبحانه، وهي مستعدة لمن أمرها الله بتدميره من الكفار والظلمة: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) } [هود: 102] .
وسنة الله جارية في الظالمين: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19) } [الفرقان: 19] .
ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؛ لأنه رفض ألوهية الله، واختصاصه بالتشريع لعباده وحده، وادعائه حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس من دون الله.
وهو ظالم يحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم، وظالم لنفسه بإيرادها موارد الهلكة، وتعريضها لعقاب الكفر، وتعريض حياة الناس للفساد، وهذه صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله.
وهو فاسق لخروجه عن منهج الله الحق، إلى منهج غيره الباطل.
فهذه صفة ثالثة لمن لم يحكم بما أنزل الله.