{ذلك تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام: 96] أي: قدره عزيز لا يهتدي إليه إلا به عليم بما هو مستحق الاهتداء إليه وبالهداية لديه، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ} [الأنعام: 97] ، يعني: نجوم القلوب في سماوات القلوب، {لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ} [الأنعام: 97] ، بر البشرية، {وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 97] ، بحر الروحانية إلى عالم الربوبية، {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ} [الأنعام: 97] ، بيننا وأظهرنا شواهد الربوبية، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97] ، قدرها، وهم أهل المحبة الذين قال تعالى فيهم: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] .
ثم أخبر عن تعريف ربوبيته بهويته بقوله تعالى: {وَهُوَ ِالَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأنعام: 98] ، إلى قوله سبحانه وتعالى: {عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] ، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ابتداء وجعل أولاده منه، وقال تعالى: {وَهُوَ ِالَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأنعام: 98] ، فكذلك خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم:
"أول ما خلق الله روحي، ثم خلق الأرواح من روحه"فكان آدم عليه السلام أبو البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الأرواح، إليه يشير قوله تعالى: {أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} .
وقوله تعالى: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام: 98] ، يعني: من الأرواح ما يتعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح، وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور الإيمان وهو من أنوار الصفات، ومستودع فيه جذبات الحق وهي أنوار الذات، ومنها ما هو مستقر ببقاء الحق باقٍ، وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء فانٍ، {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ} [الأنعام: 98] ، دلالات الوصول والوصال.