(وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أَفَادَ هَذَا التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ أَنَّهُمْ يُوَجِّهُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى أَصْحَابِ الْجَنَّةِ بِالْقَصْدِ وَالرَّغْبَةِ وَيُلْقُونَ إِلَيْهِمُ السَّلَامَ ، وَأَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ رُؤْيَةَ أَصْحَابِ النَّارِ . فَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَهُمْ ، أَيْ حُوِّلَتْ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَلْقَاهُمْ وَتُبْصِرُهُمْ فِيهَا - وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ تَوَخٍّ وَلَا رَغْبَةٍ ، بَلْ بِصَارِفٍ يَصْرِفُهُمْ إِلَيْهَا أَوْ بِمُقْتَضَى سُرْعَةِ تَحَوُّلِهَا مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ - قَالُوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ حَيْثُ هُمْ وَلَا حَيْثُ يَكُونُونَ . وَهَذَا الدُّعَاءُ لَا يَظْهَرُ صُدُورُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا بِتَأْوِيلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اسْتِعْظَامُ حَالِ الظَّالِمِينَ وَاسْتِفْظَاعُ مَآلِهِمْ ، لَا حَقِيقَةُ الدُّعَاءِ ، وَيُجَابُ بِهَذَا الْأَخِيرِ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْأَنْبِيَاءُ هُمْ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ .
وَالْإِنْصَافُ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ أَلْيَقُ بِحَالِ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ وَكَانُوا مَوْقُوفِينَ
مَجْهُولًا مَصِيرُهُمْ . رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ذَكَرَ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ فَقَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمُ النَّارَ وَقَعَدَتْ بِهِمْ