فهرس الكتاب
في حين مدح القرآن القلة المؤمنة العاملة الشاكرة، كما في قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات قليل ما هم) ، (وقليل من عبادي الشكور) ، (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض) ، (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم) .
ولهذا ليس المهم أن يكثر عدد الناس، ولكن المهم أن يكثر عدد المؤمنين الصالحين منهم.
يذكر كثيرون الحديث النبوي:"تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مكاثر بكم الأمم"، ولكن الرسول لن يباهي الأمم بالجهلة ولا بالفسقة ولا بالظالمين، إنما يباهي بالطيبين العاملين النافعين.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:"الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة". دلالة على ندرة النوع الجيد من الناس، كندرة الراحلة الصالحة للسفر والركوب والحمل في الإبل، حتى إن المائة لا يكاد يوجد فيها واحدة من هذا النوع.
والتفاوت في بني الإنسان أكثر منه في جميع الفصائل والأنواع الأخرى من الحيوان وغيره. حتى جاء في الحديث:"ليس شيء خيرا من ألف مثله إلا الإنسان".
إننا مولعون بالكم وبالكثرة في كل شيء، وإبراز الأرقام بالألوف والملايين، ولا يعنينا كثيرا ما وراء هذه الكثرة، ولا ماذا تحمل هذه الأرقام.
لقد أدرك الشاعر العربي الجاهلي أهمية النوع على الكم فقال:
تعيرنا أن قليل عديدنا
فقلت لها: إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل، وجارنا
عزيز، وجار الأكثرين ذليل
والقرآن ذكر لنا كيف انتصر جنود طالوت، وهم قلة على جنود جالون وهم كثرة: (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه إلا قليلا منهم، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين) ، إلى أن قال: (فهزموهم بإذن الله) .