ثُمَّ تَكَايَسَ فِي الْجَوَابِ، بِأَنْ قَالَ: الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ، فَيُقَالُ لِهَذَا الْغَالِطِ: بَقِيَ عَلَيْكَ قِسْمٌ آخَرُ - وَهُوَ الْحَقُّ - أَنَّهُ قَدْ قَدَّرَ لَهُ مَطْلُوبَهُ بِسَبَبٍ إِنْ تَعَاطَاهُ حَصَلَ لَهُ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ عَطَّلَ السَّبَبَ فَاتَهُ الْمَطْلُوبُ، وَالدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي حُصُولِ الْمَطْلُوبِ، وَمَا مِثْلُ هَذَا الْغَالِطِ إِلَّا مِثْلُ مَنْ يَقُولُ: وَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ قَدَّرَ لِيَ الشَّبَعَ فَأَنَا أَشْبَعُ أَكَلْتُ أَوْ لَمْ آكُلْ، إِنْ لَمْ يُقَدِّرْ لِيَ الشَّبَعَ لَمْ أَشْبَعْ أَكَلْتُ أَوْ لَمْ آكُلْ فَمَا فَائِدَةُ الْأَكْلِ؟ وَأَمْثَالُ هَذِهِ التُّرَّهَاتِ الْبَاطِلَةِ الْمُنَافِيَةِ لِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشَرْعِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَفِيهَا: جَوَازُ عَقْرِ فَرَسِ الْعَدُوِّ وَمَرْكُوبِهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَوْنًا عَلَى قَتْلِهِ، كَمَا عَقَرَ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَمَلَ حَامِلِ رَايَةِ الْكُفَّارِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَفِيهَا: عَفْوُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ، وَلَمْ يُعَاجِلْهُ، بَلْ دَعَا لَهُ، وَمَسَحَ صَدْرَهُ حَتَّى عَادَ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
وَمِنْهَا: مَا ظَهَرَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ وَآيَاتِ الرِّسَالَةِ، مِنْ إِخْبَارِهِ لِشَيْبَةَ بِمَا أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ وَمِنْ ثَبَاتِهِ، وَقَدْ تَوَلَّى عَنْهُ النَّاسُ وَهُوَ يَقُولُ
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
وَقَدِ اسْتَقْبَلَتْهُ كَتَائِبُ الْمُشْرِكِينَ.
وَمِنْهَا: إِيصَالُ اللَّهِ قَبْضَتَهُ الَّتِي رَمَى بِهَا إِلَى عُيُونِ أَعْدَائِهِ عَلَى الْبُعْدِ مِنْهُ،
وَبَرَكَتُهُ فِي تِلْكَ الْقَبْضَةِ حَتَّى مَلَأَتْ أَعْيُنَ الْقَوْمِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ فِيهَا، كَنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ لِلْقِتَالِ مَعَهُ حَتَّى رَآهُمُ الْعَدُوُّ جَهْرَةً وَرَآهُمْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ.