فإنَّ حديثَ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - ، دل على أنَّ أصلَ النُّور والنَّارِ الماءُ ، كما أن أصلَ التّرابِ الذي خُلِقَ منهُ آدمُ الماءُ ، فإنَّ آدمَ خُلِقَ من طينٍ ، والطينُ ترابٌ مختلطٌ بماءٍ ، والترابُ خُلِقَ من الماءِ كما تقدَّمَ عن ابنِ عباسٍ ، وغير ، وزعمَ فقاتِلٌ: أنَّ الماءَ خُلِقَ من النُّور ، وهو مردودٌ بحديثِ أبي هريرة هذا وغيرهِ ، ولا يُستنكَرُ خَلْقُ النَّارِ من الماءِ ، فإنَّ اللَّهَ عزَّ وجل جمعَ بقدرته بين الماءِ والنَّارِ في الشَّجرِ
الأخضَرِ ، وجعلَ ذلك من أدلةِ القُدرةِ على البَعْثِ ، وذكر الطبائعيونَ: أنَّ الماءَ بانحدارِه يصيرُ بُخارًا ، والبخارُ ينقلبُ هواءً ، والهواءُ ينقلبُ نارًا ، والله
أعلم.
قوله تعالى: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ(8)
قالَ تعالى: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) ، والمرادُ: وقتُ
مجيءِ العذابِ ، وقد يكونُ ليلاً ويكونُ نهارًا ، وقد يستمرُ وقد لا يستمرُ.
ويقال: يومُ الجَمَلِ ، ويوم صِفِّين ، وكل منهما كان عدةَ أيامٍ.
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ(15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)
وخرَّج مسلمٌ من حديثِ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - ، سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:
"إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجل استُشْهِدَ ، فأتِي به ، فعرَّفه نِعَمَهُ ، فعرفَهَا ، قال: فما عمِلتَ فيها ؟"
قال: قاتلتُ فيكَ حتَى استُشْهِدتُ ، قال: كذبتَ ، ولكنَكَ قاتلتَ ، لأنْ