وقيل: إن نوحاً لم يعلم أن ابنه كان كافراً ، وأنه ظن أنه مؤمن ؛ ولذلك قال له: {وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين} وسيأتي.
وكان هذا النداء من قبل أن يستيقن القوم الغرق ؛ وقبل رؤية اليأس ، بل كان في أوّل ما فار التنور ، وظهرت العلامة لنوح.
وقرأ عاصم:"يَابُنيَّ اركب مَعَنَا"بفتح الياء ، والباقون بكسرها.
وأصل"يا بنيّ"أن تكون بثلاث ياءات ؛ ياء التصغير ، وياء الفعل ، وياء الإضافة ؛ فأدغمت ياء التصغير في لام الفعل ، وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة ، وحذفت ياء الإِضافة لوقوعها موقع التنوين ، أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع ؛ هذا أصل قراءة من كسر الياء ، وهو أيضاً أصل قراءة من فتح ؛ لأنه قلب ياء الإضافة ألفاً لخفة الألف ، ثم حذف الألف لكونها عوضاً من حرف يحذف ، أو لسكونها وسكون الراء.
قال النحاس: أما قراءة عاصم فمشكلة ؛ قال أبو حاتم: يريد يا بُنَيَّاه ثم يحذف ؛ قال النحاس: رأيت عليّ بن سليمان يذهب إلى أن هذا لا يجوز ؛ لأن الألف خفيفة.
قال أبو جعفر النحاس: ما علمت أن أحداً من النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا إسحاق ؛ فإنه زعم أن الفتح من جهتين ، والكسر من جهتين ؛ فالفتح على أنه يبدل من الياء ألفاً ؛ قال الله عز وجل إخباراً: {يَا وَيْلَتَا} [الفرقان: 28] وكما قال الشاعر:
فيا عجبَا مِن رَحْلها المتحمَّلِ ...
فيريد يا بنيّا ، ثم حذف الألف لالتقاء الساكنين ، كما تقول: جاءني عبدا الله في التثنية.
والجهة الأخرى أن تحذف الألف ؛ لأن النداء موضع حذف.
والكسر على أن تحذف الياء للنداء.
والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين.
قوله تعالى: {قَالَ سآوي} أي أرجع وأنضم.
{إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي} أي يمنعني {مِنَ المآء} فلا أغرق.
{قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله} أي لا مانع ؛ فإنه يوم حقّ فيه العذاب على الكفار.
وانتصب"عاصم"على التبرئة.