فالمفعول الثاني في الآيتين محذوف، ثم في تأويل هذه القراءة وجوه أربعة: اثنان على تقدير أن يكون الضمير في: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ} للرسل، واثنان على تقدير أن يكون الضمير للمرسل إليهم، وقد تقدم ذكرهم في قوله: {عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، ولفظ الرسل أيضا: دالّ على مرسل إليهم فإن عاد الضمير على المرسل وهو الظاهر لجري الضمير على الظاهر قبله، فله وجهان: أحدهما: وظن الرسل أن أنفسهم كذبتهم حين حدثتهم بالنصر أو كذبهم رجاؤهم كذلك وانتظارهم له من غير أن يكون الله تعالى وعدهم به، ولهذا يقال: رجا صادق ورجا كاذب وقوله: بعد ذلك جاءهم نصرنا؛ أي: جاءهم بغتة من غير موعد والوجه الثاني منقول عن ابن عباس قال: وظن من أعطاهم الرضى في العلانية وأن يكذبهم في السريرة؛ وذلك لطول البلاء عليهم؛ أي: على الأتباع، وقد قيل: في قراءة التشديد نحو من هذا، روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت:"لم يزل البلاء بالأنبياء صلوات الله"
عليهم حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين كذبوهم"، وفي صحيح البخاري عن عائشة في قراءة التشديد: قالت:"هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوا، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر"، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك، فاتحد على ذلك معنى القراءتين، أما إن كان الضمير في:"وظنوا أنهم"للمرسَل إليهم فلتأويله وجهان؛ أحدهما: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النصر، والثاني: وظن المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل فيما أخبروا به من أنهم ينصرون عليهم، وهذا قول يحكى عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - سئل عن ذلك، فقال: نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم، فقال الضحاك بن مزاحم وكان حاضرًا لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلًا، قال أبو علي: وإن ذهب ذاهب إلى أن المعنى ظن الرسل أن الذي وعد الله أممهم على لسانهم قد كذبوا فيه قد أتى عظيما لا يجوز أن ينسب مثله إلى الأنبياء، ولا إلى صالحي عباد لله قال: وكذلك من زعم أن ابن عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضعفوا وظنوا أنهم قد أخلفوا؛ لأن الله لا يخلف الميعاد ولا مبدل لكلمات الله قلت وإنما قال ابن عباس ما تقدم ذكره فخفي معناه على من عبر بهذه العبارة والله أعلم."