وقال الزجاج وابن الأنباري: إن امرأة العزيز كانت أسَرَّت إليهن وَجْدها بيوسف واستكتمتهن شأنها، فلما غدرن بها وأظهرن سرها كان ذلك منهن مكرًا، فلما سمعت بما فعلن أرادت أن توقعهن فيما وقعت فيه.
قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}
«فإن قيل» : لم قال: (أحب إلي) ولا واحد من الأمرين محبوب له، لا السجن،
ولا ما دعونه إليه، إذ لا يريده؟
قلنا هو على التقدير أي: لو كانا مما أريده لكانت إرادتي لهذا أشد، كمن خير بين خصلتي شر، فاختار أيسرهما وأقربهما إلى النجاة.
{قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}
«فإن قيل» : كيف حكم يوسف بوقوع تأويل المنامين وربما صدق تأويل المنام وكذب؟
والجواب عن هذا: أن حكم يوسف حتم بوقوع الأمر بهما من قبل وحي أتاه بذلك من الله تعالى، الذي يدل على هذا أن حكم المنام المكذوب فيه أن يبطل تأويله، فلما وقع ما تؤل لهذين المنامين وكلاهما مكذوب فيه، دل ذلك على أن الجواب وقع بوحي، لا يبطل ولا يزول، على هذا دل كلام المفسرين.
قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم، قالوا: لما عبر رؤياهما، قالا ما رأينا شيئًا، فقال قضى الأمر الذي فيه تستفتيان، قطع الجواب الذي التمساه من جهته، فكأنه قال: هذا عبارة ما سألتما، وتأويل ما قصصتما عندي، ولم يعن أن الذي تأوله واقع لا محالة، فلم يحتم بصحة هذا التأويل، الدليل على ذلك قوله {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ} والظان شاك غير عالم، والصحيح هو الأول؛ لأنه أشبه بحال الأنبياء.
{وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) }
«فإن قيل» : أكثر المفسرين على أن معنى قوله:"وادكر"دليل على أن الناسي هو الساقي.