وإنما دخلت رب هنا على المستقبل مع كونها لا تدخل إلا على الماضي؛ لأن المترقب في أخباره تعالى كالواقع المتحقق، فكأنه قيل: ربما ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين؛ أي: منقادين لحكمه، مذعنين له من جملة أهله، وكانت هذه الودادة منهم عند موتهم أو يوم القيامة، والمراد: أنه لما انكشف لهم الأمر، واتضح بطلان ما كانوا عليه من الكفر، وأن الدين عند الله سبحانه هو الإِسلام، لا دين غيره .. حصلت منهم هذه الودادة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هي لمجرد التحسر والتندم، ولوم النفس على ما فرطت في جنب الله تعالى. وقيل: كانت هذه الودادة منهم عند معاينة حالهم وحال المسلمين. وقيل: عند خروج عصاة الموحدين من النار. والظاهر: أن هذه الودادة كائنة منهم في كل وقت، مستمرة في كل لحظة بعد انكشاف الأمر لهم.
وبالجملة: فهذا إخبار من الله سبحانه عن الكفار بأنهم سيندمون في الآخرة على ما كانوا عليه من الكفر، ويتمنون أن لو كانوا في الدنيا مسلمين.
وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة .. قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم الإِسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأُخذنا بها، فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار .. قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما خرجوا"، قال: ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) } . قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالًا من أحوال العذاب، ورأى حالًا من أحوال المسلم .. ود أن لو كان مسلمًا.