6 -ولما فرغ من تهديد الكفار .. شرع في بيان بعض عتوهم في الكفر، وتماديهم في الغي، مع تضمنه لبيان كافرهم بمن أنزل عليه الكتاب، بعد بيان كفرهم بالكتاب فقال: {وَقَالُوا} ؛ أي: مشركوا مكة وكفار العرب لغاية تماديهم في العتو والغي مخاطبين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة. انتهى. {يَا أَيُّهَا} الرجل {الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ} والقرآن في زعمه، وعلى وفق ما يدعيه، نادوا به النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التهكم، ولذا اتهموه بالجنون بقولهم: {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} ؛ أي: إنك بسبب هذه الدعوى التي تدعيها، من كونك رسولًا لله، مأمورًا بتبليغ أحكامه لمجنون؛ أي: مسلوب العقل، فإنه لا يدَّعي مثل هذه الدعوى العظيمة عندهم من كان عاقلًا، فقولهم هذا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - هو كقول فرعون: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} ، وإنما نسبوه إلى الجنون لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يظهر منه عند نزول الوحي عليه ما يشبه الغشي، فظنوا أن ذلك جنون، فلهذا السبب نسبوه إلى الجنون، وقيل: إن الرجل إذا سمع كلامًا مستغربًا من غيره .. فربما نسبه إلى الجنون، ولما كانوا يستبعدون كونه رسولًا من عند الله، وأتى بهذا القرآن العظيم .. أنكروه، ونسبوه إلى الجنون، وإنما قالوا: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} على طريق الاستهزاء، وقيل: معناه يا أيها الذي نزل عليه الذكر في زعمه واعتقاده، واعتقاد أصحابه وأتباعه، إنك لمجنون في ادعائك الرسالة، وقرأ زيد بن علي: {نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} ماضيًا مخففًا مبنيًّا للفاعل، وقرأ: {يا أيها الذي أُلقي إليه الذكرُ} وينبغي أن تجعل هذه القراءة تفسيرًا؛ لأنها مخالفة لسواد المصحف.
والمعنى: أي وقالوا استهزاء وتهكمًا: يا أيها الرجل الذي زعم أنه نزل عليه القرآن إن ما تقوله أملاه عليك الجنون، وليس له معنى معقول، وهو مخالف لآرائنا، بعيد من معتقداتنا، فكيف نقبل ما لا تقبله العقول، ولا ترضاه الفحول من رجالاتنا الفخام، وعشائرنا العظام.