والمعنى: أي فأنزلنا من السماء مطرًا، فأسقيناكم ذلك المطر لشرب زرعكم ومواشيكم، وفي ذلك استقامة أمور معايشكم، وتدبير شؤون حياتكم إلى حين، كما قال: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} {وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} ؛ أي: ولستم بخازنين الماء الذي أنزلته فتمنعوه من أن أسقيه من أشاء؛ لأن ذلك بيدي، وهو خاضع لسلطاني، إن شئت حفظته، وإن شئت غار في باطنها ويتخلل طبقاتها، فلا أبقي منه شيئًا ينفع الناس والحيوان، ويسقي الزرع الذي عليه عماد حياتكم.
والخلاصة: نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب، وإنزاله، وما أنتم على ذلك بقادرين.
23 -وبعد أن ذكر نظم المعيشة في هذه الحياة .. ذكر إحياء الإنسان وإماتته فقال: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي} بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة، وتقديم الضمير للحصر، وهو إما تأكيد للأول، أو مبتدأ خبره الفعل، والجملة خبر
لـ {إنَّا} ، ولا يجوز كونه ضمير الفصل، لأنه لا يقع إلا بين الاسمين، {وَنُمِيتُ} بإعدامها وإزالتها عنها، وقد يعم الإحياء والإماتة لما يشمل الحيوان والنبات، والله تعالى يحيي الأرض بالمطر أيام الربيع؛ ويميتها أيام الخريف، ويحيي بالإيمان وميت بالكفر؛ أي: إنا نحن نوجد الحياة في المخلوقات، ونسلبها عنها متى شئنا، والغرض من ذلك الاستدلال بهذه الأمور على كمال قدرته تعالى، وأنه القادر على البعث والنشور، والجزاء لعباده على حسب ما يستحقونه، وتقضيه مشيئته، ولهذا قال: {وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} ؛ أي: للأرض ومن عليها، لأنه سبحانه الباقي بعد فناء خلقه، الحي الذي لا يموت، الدائم الذي لا ينقطع وجوده، {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؛ أَي: نحن الباقون بعد فناء الخلق، المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك المجازي،
والمعنى: أي وإنا لنحيي من كان ميتًا إذا أردنا، ونميت من كان حيًّا إذا شئنا، ونحن نرث الأرض ومن عليها، فنميتهم جميعًا، ولا يبقى حي سوانا، ثم نبعثهم كلهم ليوم السحاب، فيلاقي كل امرئٍ جزاء ما عمل، إن خيرًا وإن شرًّا.