فهرس الكتاب
هي التي مِن أجْلِها أضاف اللهُ سبحانه روحَه إليه، فقال:"مِنْ رُوحِي"، فمَن عرف نعمة الله عليه فيها، وتشريفَه وتكريمه بها: فانتفع بها وجنَى ثَمراتِها من الرشد والحكمة والْهُدى وصِدْق المَحبَّة لربِّه، فأسلم وجْهَه لله، وأحسن الاستفادة والانتفاع بكلِّ ما ربَّاه به من الخير الكونِيِّ والعلمي، فهو الإنسان الكريم، ومَن لَم يعرف إلاَّ الرُّوح الحيوانيَّة، فوَقَف عندها، ودارَ معها، وأعطاها كلَّ هَمِّه وجهدِه، فهو الذي قال الله فيه قولَه:"لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" [الأعراف: 179] ، وقال لنبيِّه -صلى الله عليه وسلم-:"إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ" [النمل: 80 - 81] .
والقرآن كلُّه أنزله الله يَنْعى على أولئك الذين انسلخوا من آيات الله، ودَسُّوا أنفسهم تَحت أنقاض ما هدموا من نِعَم ربِّهم وآياته في أنفُسِهم وفي الآفاق، فقَتَلوا روح الإنسانيَّة الكريمة بِقَدْر ما أحبُّوا وقوَّوْا روح البهيميَّة، فكَمْ ذمَّهم الله، وقبَّح صنيعهم بأنفسهم وظُلْمَهم لَها، وتوَعَّدَهم على ذلك أشدَّ الوعيد، وأنذرهم وحذَّرهم عاقبة ما ارْتَضَوه من التبلُّد والتَّغابي والاستخذاء لِسُلطان الْهَوى والشهوات، والأوهام والخرافات، الَّذي مكَّن لِسُلطان الشيطان وحِزْبِه عليهم، فكانوا من السُّفَهاء الغاوين!