مما هم فيه من اظهار الحوال عليهم وقهر الأحوال لهم مع ما شاهدته من أعظم المحل في القربات في المشاهدة فلم يوثر عليك بحلاله محلك وقال جعفر لو اطلعت على ما بهم من آيات قدرتنا ورعايتنا لهم وتولية حفاظتهم لوليت منهم فرارا أي ما قدرت على مشاهدة ما بهم من هيبتنا فيكون حقيقة الفرار منا لا منهم لأن ما بدا عليهم منا ثم أخبر سبحانه عن ارتفاع اثقال العظمة عنهم وافاقتهم عن سكر المشاهدة وحضورهم بعد الغيبة بقوله
{وَكَذلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} فيه إشارة انهم في بديهة وقائع الغيب وهم أهل البدايات في المعرفة وهجوم غلبات الوجد لذلك هاموا في الغيب وطاشوا في القرب ولو كانوا في محل التمكين والصحو ما غابوا عن الاحساس ورسوم المعاملات ويكون حالهم كحال نبينا صلى الله عليه وسلم حين دنا وثبت في التدلى واستقام في منازل الأعلى واستقر بين أنوار القدم والبقاء بنعت الصحو والصفا وقال لا احصى ثناء عليك أنت كما اثنيت على نفسك ولو ان ما ورد عليه من احكام الربوبية في المشاهدة ورد عنه على جميع الأولين والآخرين لطاشت عقولهم وطارت أرواحهم وفنيت قلوبهم واستهلكت نفوسهم ولكن ما اطيب زمان السكر للمريدين والمحبين والشائقين والعاشقين اخذهم سكر الوصال عن القيل والقال وعن الاشتغال والمحال وغيبهم في أنوار الجمال والجلال حتى لم يحسوا شيئا من الحدثان من ذوق وصال الرحمن ما اطيب تلك الأوقات السرمدة والأحوال المقدسة بحيث ما لهم خبر عن مرور الزمان وحوادث الملوان شهور ينقضين وما شعرنا
بانصاف لهم ولا شرا
ما اقل زمان الوصاف لعشاق الجمال والدهر عندهم في المشاهدة ساعة واعمار العالمين في منازل انسهم لمحة وانشد
صباحك سكر والمساء خمار
نعمت وأيام السرور قصار
زمان القربة قليل وزمان الفرقة طويل وذلك من غيرة العشق الهجران في كمين الغيرة مقيم وملدوغ الفراق من سم افاعى الغيرة سليم لا يصبر الدهر حتى يفرق بين العاشقين والمعشوقين وانشد
عجبت بسعى الدهر بينى وبينها
فلما انقضى ما بيننا سكر الدهر