قوله تعالى {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} احسن الأدب موسى عليه السّلام حيث أستاذن في المتابعة عرف موسى ان علم الحق لا نهاية له فاشتاق افى ما فوق علمه فاستعلم مكنونه من مواضع تجليه وخاصية خطابه وذلك الرشد الأعلى بحيث إذا علمه عرف في جنبه الحق بنعت خاص دون ما علمه السيار والسباح في بحر وحدانيته وميادين قدره غرثان إلى علم الوهيته ولا باس فان ذلك العلم الذي عند الحضر لم يكن عند موسى فأراد سبحانه ان يعرف موسى ذلك العلم السرى النور الغيبى فامتحنه بصحبة الخضر لاستقامة الطريق ولتقويم السنة في متابعة المشائخ وليكون اسوة للمريدين والقاصدين في خدمتهم اشياخ الطريقة وكان موسى اعلم من الخضر بما عنده من الحق ولكن ليس عنده ما كان عند الخضر في ذلك الوقت فساعده التوفيق فعرف منه أبواب تلك الأسرار المكتومة فدخل في باب علم الخضر إلى عالم العلم المجهول وبلغ إلى مقام فيه غاب علم الخضر وعلم جميع الخلق هناك وهذا زيادة فضل الله على موسى قال فارس ان موسى كان اعلم من الخضر فيما اخذ عن الله والخضر كان اعلم من موسى فيما وقع إلى موسى وقال ايمنا ان موسى كان مبقا عليه صفته لياخذ الغير ادبه فمن انقطع عن الرياضة كان على حسب العصمة والتمكين فيه والخضر كان فانيا مستهلكا والمستهلك لا حكم له وموسى كان باقيا بالحق والخضر كان فانيا بالحق ولا فرق بينهما لأنهما تكلما من معادن واحد ثم ان الخضر تعلل ودفع صحبة موسى ونسب موسى إلى قلة الصبر معه وبقلة العلم بما عنده وهو يعلم ان موسى اكرم الخلق على الله في زمانه وهو رجل منبسط معربد مفزع من صحبته فدفع صحبته بقوله {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} فقرن الصبر بالعلم وبين ان قلة الصبر من الجهل وكان موسى صابرا عالما ولكن من حمية في دينه وشريعته لم يقبل ما لا يوافق الشرع وذلك ليس قلة الصبر ولا قلة العلم انما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحفظ لحدود الله كان موسى مستغرقا في بحر جمال الحق وسماع كلامه المسمد بلا واسطة وذلك الكلام أخبره عن سر الأسرار وغرائب علوم الربوبية وكان فارغا عن صورة رسوم علم المقادير التي